آخر الأخبار

أغنيات وحكايات خالدة

بعد .. و .. مسافة

مصطفى ابوالعزائم

 

*قبل يومين نشرنا وعلى ذات هذه المساحة، مقالا بعنوان (عبدالمنعم عبدالحي يحكي عن نفسه)، وقد كان بناءً على طلب لأحد الأصدقاء، بعد أن قرأ ما كتبناه عن الوحدة بين شطري السودان، كانت قد جاءت تحت عنوان (على إبن الجنوب ضميت ضلوعي)  ، لكن ذات الصديق طلب أن نسترسل في الموضوع، فقلت له لقد ذكرت ما لدي من معلومات، لكنه طالب بأي قدر ولو قليل ليكون إضافة لما سبق نشره، لذلك حاولت قدر المستطاع أن ألملم بعض ما لدي وأنشره ، لعل وعسى أن يكون إضافة لما سبق نشره.

*قد تطرقنا قبل فترة لما رواه الفنان الأستاذ سيد خليفة – رحمه الله – في أحد تسجيلاته الإذاعية قبل عدة سنوات ، وتحدث فيه عن علاقته بالشاعر عبدالمنعم عبدالحي، وبالفنان العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ ، وكيف أنه دعاه للمشاركة في زواج السياسي اللامع إبرهيم المفتي، أوائل الخمسينيات في القاهرة، وقال ضمن ما قال في الحديث الذي سمعته قبل سنوات، من إذاعة البيت السوداني (100 FM) ، إن الذي قام بتوصيلهما بسيارته المخصصة له من قبل المراسم في مصر، كان هو السياسي الكبير، والوطني الغيور الأستاذ خضر حمد، وهو للعلم شاعر نشيد (للعلا) الذي قام بتلحينه الأستاذ الموسيقار إسماعيل عبدالمعين ، ومن ثم قام بتلقينه لأعضاء مؤتمر الخريجين، وغنى بعده (صرخة روت دمي) للشاعر الأستاذ الدكتور محيي الدين صابر، العالم التربوي المعروف وأول وزير للتربية والتعليم في عهد مايو 1969م، وكان وقتها يدرس في دار العلوم بالقاهرة ، وذلك إضافة لنشيد (صه يا كنار) وقد عرفت هذه الأغنيات الوطنية بإسم (أناشيد المؤتمر) والمقصود هو مؤتمر الخريجين.

*وجاء من ضمن ذكريات الشاعر عبد المنعم عبد الحي عن الفن التي أعدها الأستاذ الكبير الراحل فؤاد عمر، صاحب أشهر برنامج في إذاعة (ركن السودان) وهو (حبابكم عشرة)، في تلك الذكريات – لا المذكرات – حديث للشاعر عبد المنعم عبد الحي حول علاقته بالأستاذ سيد خليفة – عليهم رحمة الله أجمعين – فيقول إنه تعرف عليه عندما كان يدرس الموسيقى في القاهرة، وكان الأستاذ والموسيقار إسماعيل عبد المعين يتعهده ويلحن له الأغاني.. وهذه سمعتها شخصياً من الأستاذ عبد المعين، في منزله بالخرطوم بحري وكان معي الأصدقاء والزملاء الأساتذة عبد الوهاب هلاوي، أبوقرون عبد الله أبوقرون، رحمه الله، وزين العابدين أحمد محمد، رحمه الله، عوض إبراهيم عوض، وآخرون لا أريد أن أخطئ فيما إذا كانوا شهوداً أم لا.

*يقول عبد المنعم عبد الحي إن سيد خليفة طلب منه أن يكتب له أغنية خاصة ولكن لم يكن قد خطر له أي موضوع، وتذكر أغنية كانت ضمن الحكايات والقصص التي ترويها له والدته، وهي (فاطنة السمحة والشاطر حسن)، خاصة عندما كانت تبكي وهي تسأل الجمَّال وتقول: (يا جمالاً هوي.. ما شفتوا أخوي.. أخضر طويل.. توبو توب حرير جملو هدار.. صوتو وروار)، وأوحت له تلك القصة والأغنية الشعبية المتوازنة ليكتب أول أغنية لسيد خليفة هي أغنية (يا بانة)، ويقول فيها: (يا بانة.. ما شفتي محبوبي.. عيونو نعسانة.. ليونتو في فرعك.. في مشيه يتنى كأنو من زرعك.. كان شفتي يا بانة، في وصفو إنسانا.. ده هو محبوبي).. ثم توالت أعماله للفنان سيد خليفة فكتب له (كفاك صدود)، ثم في العام 1951م طلب سيد خليفة من عبد المنعم عبد الحي أغنية عن الرحلة من (أسوان إلى أم درمان) فكتب له (قمنا من أرض الكنانة.. إلى ربوع أم درمانا)، وصف من خلالها المدن والقرى والصحراء.. ثم قدم له لاحقاً أغنية (المامبو السوداني) وقد تغنى بها سيد خليفة في أحد الأفلام المصرية.. وبعد ذلك إشتهر الفنان سيد خليفة شهرة طبقت الآفاق.

*ومثلما قال الأستاذ سيد خليفة، فإن كبار الفنانين تغنوا بأشعار الأستاذ الراحل عبد المنعم عبدالحي إبن جنوب السودان وسليل قبيلة الدينكا العريقة، الذي عاش في أم درمان، وكتب عنها أجمل ما كُتب في مدينة (أنا أم درمان) التي غناها الفنان الراحل أحمد المصطفى، ورددها معه كل الشعب السوداني، والذي درس جزءاً من مرحلته الوسطى في مصر، ثم الثانوية في حلوان، ليلتحق بالجيش المصري عام 1942م ويتخرج ضابطاً، ثم يتزوج من مصر الشقيقة وينجب عدداً من الأبناء والبنات ويقدم وأسرته الكريمة شهيدين – مرة واحدة – في حرب عام 1967م بين مصر وإسرائيل.

*أما آخر أغنياته كما يقول هو نفسه فهي أغنية (حليل مدني) قدمها لأمير العود حسن عطية، ثم أغنية (حنين لأم درمان) قدمها للفنان حمد الريح وقام بتلحينها عبد اللطيف خضر.. وقدم مع عبد العزيز داؤود وبرعي عدداً من الأغنيات هي (ابتسمي ولو تسمحي).. و (أشواق محب) و (انتصر يا حب) وكسرة واحدة هي:- يا حليل ديارهم.. يا حليلها.. دوام بطراهم) رحم الله الشاعر الفذ المرهف أحد رموز الفن الغنائي الحديث وأحد رموز وحدة وادي النيل، وأحد رموز مدينة أم درمان العريقة الأستاذ عبد المنعم عبد الحي، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.. آمين.