آخر الأخبار

ابتسامة بمليون جنيه.. حكاية بطل سوداني بين الفن والرصاص

 

عمرو خان

*حين تجبرهم الإصابة على نيل استراحة المحارب، فقط عندها يمكنك الاقتراب منهم دون أن تلسعك نار البطولة التي تحيط بهم.. تكتشف أنهم بشر من لحم ودم، ضحكهم يشبه ضحكنا، وأحلامهم كانت يوماً بسيطة كبيوت الطين في قراهم، لكن الواجب ناداهم، فتركوا دفاترهم ومواهبهم ومقاهي الأصدقاء، وذهبوا إلى الميادين ليكتبوا فصول الكرامة بعرقهم ودمهم.

*في أحد شوارع حي فيصل العتيق بالجيزة، التقيت صدفة بجندي من أولئك الذين تتوارى الكلمات خجلاً أمام صبرهم.. كان يسير بخطى هادئة، ووجهه تضيئه ابتسامة بمليون جنيه، كأن الألم الذي أصابه لم يُصبه قط.. لم يكن يدرك أن تلك الصدفة الصغيرة ستتحول إلى لحظة إنسانية عميقة، تفتح نافذة على قصة تستحق أن تُروى.

 

*اسمه (خ.أ)، بطل من أبطال القوات المسلحة السودانية.. أصيب في إحدى المعارك بعد أن ذاق طعم النصر مراتٍ عدة، وجاء إلى القاهرة لإجراء جراحة بسيطة تمهيداً للعودة إلى الميدان.. لم يكن حديثه عن الحرب كما تتوقع من جنديٍ مخضرم؛ بل كان حديث الفنان الذي يرى في الألم معنى وفي الجراح لوحة لا يراها إلا من عرف ثمن الأرض.

*قبل أن تبتلعه رياح الحرب، كان (خ.أ) شاباً مولعاً بالأدب والتمثيل.. كتب نصوصاً قصيرة، ومثل على خشبات المدارس والمراكز الثقافية في بلدته الصغيرة.. كانت لديه قدرة مدهشة على تقمص الأدوار، حتى قال عنه أصدقاؤه مازحين: (يصلح أن يكون بطلاً في فيلمٍ وطني).. ولم يكن أحدهم يدري أن القدر سيأخذ المزحة على محمل الجد، فيضعه فعلاً في بطولةٍ لا تُعرض على الشاشات، بل تُكتب بدماء الشجعان في أرضٍ عطشى للحرية.

*حدثني بصوتٍ هادئ عن شغفه الأول بالفن، وكيف ظل يحمل في حقيبته الصغيرة دفتراً يدوّن فيه الخواطر حتى وهو في قلب الجبهة.. قال لي وهو يضحك: (حتى الرصاص لا يستطيع أن يصيب الحلم إذا كان الحلم صافياً).. ثم أضاف بصدقٍ نادر: (الفن والحرب وجهان لنفس الشيء.. كلاهما معركة ضد القبح).

*في القاهرة، يقضي أيامه بين جلسات العلاج وزيارات الأصدقاء، لكنه لا يشكو.. كان يمازح الطبيب، ويطلب من الممرضين أن يبتسموا لأن (الابتسامة دواء مجاني).. من يراه لا يصدق أن هذا الوجه الوديع كان قبل أسابيع يتحدى نيران المليشيات والمرتزقة.. لكنه يرفض أن يُعامل كبطل، ويقول ببساطة: (أنا واحد من آلاف حملوا الوطن في صدورهم).

*في لحظة وداعنا، التفت نحوي وقال وهو يربت على ضماد كتفه:

أنا راجع قريب… المسرح هناك ما زال مفتوح، بس المشهد الجاي اسمه نصر السودان.

*ضحكنا معاً، لكن شيئاً في تلك الضحكة كان أكبر من الفرح… كان إيماناً بأن بعض الوجوه خُلقت لتُضيء حتى في زمن العتمة، وأن بعض الابتسامات تُكلف العمر كله – لكنها تساوي وطناً كاملاً

كاتب صحفي مصري