مطار الخرطوم الجديد 13 سنة تحت التنفيذ.. ما الأسباب؟ (2-2)
- نقص التمويل والإعتماد على القروض الميسرة من أسباب تعثر المطار
- تحديات سياسية ومالية تسببت في تأخير التنفيذ سنينا عددا
- مصدر: المطار الجديد أستخدم آداة دعائية لنظام الإنقاذ
- تمويل الصناديق العربية لتشييد المطار الجديد هل ضل الطريق؟
تحقيق ــ التاج عثمان:
عام 2018 رشحت أنباء عن إنطلاقة العمل بمطار الخرطوم الجديد جنوب امدرمان وكنت وقتها رئيسا لقسم التحقيقات بصحيفة (الرأي العام) بالخرطوم، وعلى الفور كلفت محررة التحقيقات الزميلة، سلمى سلامة، التوجه لمشروع المطار بمنطقة صالحة جنوب غرب امدرمان لإجراء تحقيق صحفي ميداني عن بداية العمل في المطار الجديد.. وفي نهاية اليوم عادت ادراجها للصحيفة بخيبة أمل فسألتها عن سير العمل في المطار الجديد فقالت لي بسخرية:” لم أجد مطارا بل مجرد لافتة وسط أرض قاحلة مهجورة لا أثر فيها للحياة او أعمال تشييد لمباني ومنشآت المطارات المعروفة، اللهم سوى لافتة منصوبة بإهمال كتب عليها مطار الخرطوم الدولي الجديد بجانب شبه مدرج ترابي حوله أكوام من الخرسانة القديمة المعفرة بتراب السنين”.. وظل حال المطار بحالته التي وصفتها لنا الزميلة، سلمى سلامة، حتى يومنا هذا أرض جرداء مهجورة لا أثر فيها لأي مظاهر لتشييد مطار، لدرجه انه تحول إلى لغز كبير بعد الضجة المفتعلة من جانب بعض الرسميين السابقيين حوله وتصريحاتهم بقرب بداية العمل فيه.. التحقيق التالي يجيب عبر حلقات على سؤال هام هو: لماذا تأخر تنفيذ مطار الخرطوم الدولي الجديد جنوب امدرمان لأكثر من 13 سنة.
أسباب تأخر التنفيذ:

للأسف إنقضت حوالي 13 سنة منذ ان أعلنت حكومة الإنقاذ عزمها تشييد المطار الجديد ولكن ظل ذلك الوعد مجرد حبر على ورق.. ففي عام 2012 وقعت حكومة الإنقاذ عقد مع الشركة الصينية لتشييد المطارات، وهي شركة صينية حكومية رائدة في مشروعات البني التحتية، ونص ذلك العقد (القديم) على إنشاء مطار جديد بمنطقة الصالحة جنوب امدرمان بتمويل صيني بلغ وقتها نحو 700 مليون دولار إلا ان العمل الفعلي تعثر ثم توقف بصورة نهائية.. وفي العام 2018 لجأت الحكومة السودانية، وقتها إلى شركة تركية وقعت معها عقدا لإنشاء المطار بنظام (البوت) والذي يشتمل على البناء والتشغيل والتمويل.. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا تأخر تنفيذ مطار الخرطوم الجديد طيلة الفترة السابقة والتي ناهزت نحو 13 سنة بالتمام والكمال؟.. حقيقة الأسباب التي تحصلنا عليها من مصادرنا ذات الصلة بتشييد المطار الجديد كثيرة وغريبة في آن واحد، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
ــ غياب الإرادة السياسية الحقيقية، حيث لم تكن الحكومة السودانية السابقة في عهد الإنقاذ لديها إرادة حقيقية لتمويل مشروع المطار الجديد وتحويله إلى واقع ملموس، بل يرى البعض انه كان يستخدم كآداة دعائية موسمية لنظام الإنقاذ.
ــ التقلبات السياسية والعزلة الدولية وعدم إستقررا العلاقات مع الدول التي كانت داعمة للمشروع كالصين وتركيا، بسبب تأثير العقوبات الدولية على السودان والذي اضعف فرص إستدامة التمويل والدعم.
ــ ويعزي البعض تأخر تنفيذ المشروع للفساد المالي والإداري، مؤكدين انه بعد توقيع العقود الأولى تدفقت أموال التمويل دون ان يحرز المشروع أي تقدم إنشائي يذكر، حيث ظل المطار مجرد لافتة تقف لوحدها في صحراء جنوب امدرمان بجانب مدرج عشوائي ترابي ــ كما وصفته لي محررة التحقيقات بصحيفة (الراي العام السودانية)، سلمى سلامة.
ــ ومن الأسباب أيضا ضعف الكفاءة الإدارية، حيث إفتقرت مؤسسات الدولة إلى منظومة متكاملة لإدارة مشروع ضخم كهذا مما أدى إلى إرتباك إداري متسببا في تأخير وتأجيل مستمر في تنفيذ القرارات الفنية والتنفيذية المتعلقة بمشروع المطار.
ــ التحديات المالية التي واجهت تنفيذ المشروع المتمثلة في نقص التمويل، والإعتماد على القروض الميسرة والشراكات العامة والخاصة.
ــ التحديات السياسية المتمثلة في عدم الإستقرار السياسي في السودان والمقاطعة الدولية التي تقودها أمريكا، وتأثير ذلك على إتخاذ القرارات.
مطار الخرطوم القديم:

بعض الأصوات تعالت مؤخرا تطالب بتاجيل او إلغاء المطار الجديد في ظل الظروف الإستثنائية التي تمر بها البلاد حاليا، وتوجيه الجهود والأموال إلى توسعة وتاهيل مطار الخرطوم القديم.. لكن المخالفين لهذا الرأي والمناصرين لتشييد المطار الجديد يردون: توسعة مطار الخرطوم الحالي ممكنة لكنها قد لا تكون كافية لتلبية الإحتياجات التوسعية المستقبلية للمطار، ذلك ان المطار الحالي يواجه تحديات كثيرة مثل نقص المساحة وعدم كفاية البنية التحتية”. نشير ان مطار الخرطوم الحالي المعروف بمطار الخرطوم الدولي تم تشييده عام 1957 بطاقة إستيعابية تصل إلى (3.5) مليون مسافر سنويا، ويقع وسط الخرطوم بحي العمارات تحيط به المبني والعمارات خاصة الجهات الغربية والشمالية والشرقية مما اصبح يشكل خطورة على هذه الاحياء.
جسر العزوزاب ــ الدباسين:
كثيرون يتسائلون عن علاقة المطار الجديد جنوب امدرمان وجسر (العزوزاب ــ الدباسين)، والذي أصبح هو في حد ذاته لغزا كبيرا لتأخير تشييده لسنوات طوال مما اثار حولة جملة من علامات الإستفهام والتكهنات.. عموما هذا لا يهمنا في سياق التحقيق الصحفي وقد نفرد له حلقة خاصة.. ام تساؤل البعض عن علاقته بالمطار الجديد، نشير ان الجسر يعتبر جزاء من البنية التحتية التي ستدعم مشروع مطار الخرطوم الجديد، فهو يربط بين منطقتي الصالحة جنوب امدرمان، ومنطقة الكلاكلة بالخرطوم، ويعتبر من المشاريع المصاحبة والمهمة للمطار الجديد حيث انه يساهم في تسهيل حركة الوصول من ولايات الجزيرة وسنار والنيل الأبيض بجانب إقليم النيل الأزرق.. ويسهل الوصول إليه من ميناء بورتسودان وولايتي كسلا والقضارف، حيث يساهم الجسر في تسهيل وصول المسافرين والبضائع المختلفة من الولايات المذكورة إلى المطار الجديد.
مميزات المطار الجديد:
أخيرا، يتوقع بعض خبراء المطارات والطيران ان مطار الخرطوم الدولي الجديد ــ لو تم تشيده حسب التصور المقترح ــ سيكون طفرة في عالم المطارات، حيث انه إستفاد من تصاميم المطارات العالمية ليخرج في النهاية بتصميم حديث ومتطور متحاشيا سلبيات المطارات العالمية القائمة حاليا خاصة من ناحية تكنلوجيا المطارات، ولا غرو ان بعضهم يؤكد ان مطار الخرطوم الجديد سيكون منافسا للمطارات العالمية الشهيرة مثل مطار دبي بالأمارات، وشارل ديجول بفرنسا، وكنيدي بامريكا، لكونه يتميز بتصميم حديث غير مالوف وتقنيات متقدمة.
ويضم المطار، كما ذكرنا سلفا، مبنى ركاب غير مالوف في مساحة 86 الف متر مربع، ومدرجين بطول 4000 متر في مقدورها إستقبال الطائرات العملاقة، وهبوط وإقلاع الطائران منها بمعدل كل دقيقة او اقل.. كما انه يحتوي على 10 جسور تحميل للطائرات، حيث انه وحسب التصور المقترح، سيزود بأحدث أنظمة الملاحة والمراقبة الجوية ونظام التعامل مع الامتعة لا تتوفر بأحدث المطارات العالمية.. ويضم المطار فندقا دوليا لمسافري الترانسيت وغيرهم، ومجمعات تجارية، ومركز متطور للمؤتمرات العالمية.
كما روعي في المطار الجديد إعتماده على الطاقة الشمسية (إل أي دي)، في الإضاءة لتقليل إستهلاك الطاقة.. ومن المتوقع ان يساهم المطار الجديد في تعزيز الاقتصاد السوداني وتحسين تجربة السفر للمسافرين، وتقليل نسبة البطالة وسط الشباب السوداني حيث انه سيستوعب أعدادا مهوولة من المهندسين والفنيين والموظفين والعمالة الفنية والعادية، بجانب موفي وموظفات شركات الطيران العالمية والوكالات السياحية، ووكالات تأجير السيارات، ومتاجر المعروضات الفلكلورية السودانية، والخدمات الفندقية والتسوقية والإعلانية وغيرها.