سكت كلام الناس… يا نورالدين كنت تستنطق الحروف العصيّة
بالواضح
فتح الرحمن النحاس
*بعيداً عن وطنك الأم اخترت لنفسك قبراً، وكأنك كنت تكتب قبل رحيلك المُر (قصيدة رثاء)، لقمر غاب بعد أن كان ضوءه (يشع) في ليالي تمامه (يغازل) به أمسيات حالمات عند مقرن النيلين أو لعلك كنت تستحضر ذكريات (ظهيرة) في نهار جميل ترقد الشمس في (حضنه) والأرض تعتصر من سحب الرباب ماتملأ به دنانها وتروي عطشها.. أم أنك ياصديقنا كنت تكتب لأجل الناس في السودان (مقالاً رصيناً) يحكي مافي دواخلهم من (حنق دفين) على هؤلاء الأوباش الذين (استباحوا) كل شئ جميل في الوطن فماتركوا فسحة لفرح كان بيننا (مقيماً طليقاً) لايعرف السفر البعيد إلا ذلك (التجوال الممتع) مابين أم درمان والخرطوم وبحري، ومداخل الجزيرة الخضراء..لكن هاهو الموت يأتيك خلسة فلاتملك غير أن (تستأذن ) أنت قلمك (ليصمت) ومع صمت القلم يسكت (كلام الناس) في زمن يحتاج فيه الناس ليقولوا الكثير عن (مواجع) سنوات الحرب التي أوردنا بها القتلة الوحوش موارد (الدموع والأحزان ) والموت المفجع.
*كان نور الدين مدني يكتب ويعبر عن (معمار) تميز بلغته السهلة و(صدق) المواقف والرؤى السياسية التي لا تعرف (المجاملة الرخيصة)، فكان أن أستوفي بذلك (رسالته المهنية) بما تستحقه من هندام (جاذب) يحقق التعبير الصحيح عن أفكار الشارع العام وتوجهاته وطموحاته، فكان لاغرو أن جاء عنوان مقاله اليومي بترويسة (كلام الناس)، فمن هنا ينبع (عظم مسؤولية) الكلمة المكتوبة، وكان الراحل (بارعاً) في (ترجمة) ما يعتمل في (صدور) القراء المتلقين.. وينقله ويضعه (ساخناً) على منضدة الجهة (المستهدفة) به..وعليه يمكن القول أن الراحل نور الدين (حقق) لنفسه بهذا الشكل من (الكتابات الصحفية)، مكانة مرموقة في نفوس قرائه، وشيد (مدرسة صحفية) تتيح للأجيال اللاحقة أن تغرف من معينها العذب (أداء صحفياً) معطوناً في الوطنية والصدق والإنحياز التام للحقيقة والإلتزام بها.
*ترافقنا أنا والأخ الراحل نور الدين في زيارة للإمارات في معية المشير سوار الذهب رحمه الله، وكان له لقاء مع (الشيخ زايد بن سلطان) أيام كانت الإمارات تحت (قيادته الحكيمة)، وفي أثناء (حوار) دار بين الرئيسين حول مشكلة الجنوب، قال الشيخ زايد لسوار الذهب بلهجة جادة: ( أعطيهم الجنوب يا عبد الرحمن واستريح من مشاكلهم..)، كان رد المشير على نصيحة الشيخ زايد (ابتسامة خافتة). فالتفت أنا للأخ نور الدين وسألته عن رأيه في نصيحة الشيخ زايد؟ فأجابني نور الدين وكأنه كان قرأ المستقبل وقتذاك: (إن لم تصل حكوماتنا لحل توافقي لمشكلة الجنوب، فإن الإنفصال وارد، ناهيك أخي النحاس عن نوايا القوى الخارجية التي تؤجح المشكلة بين الشمال والجنوب وقد تؤدي للإنفصال).. وحدث الإنفصال وصدقت نبوءة الأخ نور الدين.. رحم الله الأخ الزميل الصديق نور الدين وجعل مستقره جنة عرضها السموات والإرض.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)
صدق الله العظيم
سنكتب ونكتب.