آخر الأخبار

من يربّي أبناءنا حقًا… الأسرة أم القرية؟ (2-2)

درب التبانة

د. الحسين تاج الدين أحمد

 

*تظل التربية الجماعية في القرى والأرياف – حيث الأسرة الممتدّة والجماعة القرابية والتنشئة المشتركة -واحدة من أكثر الأنماط تأثيرًا في تشكيل وعي الفرد وصورته الذهنية عن نفسه وعن العالم.. ولئن كانت هذه التربية تنتج قيماً عظيمة مثل التكافل والترابط والأمان، فإنها من جهة أخرى قد تتحول إلى قوة ضاغطة تُعيد إنتاج الصور النمطية، وتفرض على الأبناء مسارات حياتية لم يختاروها، وتخلق خوفًا خفيًا من المجتمع أكثر من الخوف من الخطأ نفسه.

*لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بجرأة: هل يمكن معالجة الآثار السلبية للتربية الجماعية دون أن نفقد روح القرية؟.

*الإجابة ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى وعي جماعي وتغيير تدريجي يبدأ من الأسرة ثم المدرسة وينتهي عند المجتمع بأكمله.

*الحل يبدأ من داخل الأسرة الممتدة نفسها. فبدل أن يصبح كل فرد (مربّياً بقرار ذاتي)، يمكن للعائلات أن تتفق على رسائل تربوية موحدة لا تربك الطفل ولا تشوه صورته عن ذاته. كما أن تقليل التدخلات غير الضرورية يفتح الباب أمام الأبوين لبناء علاقة صحية مع أبنائهم دون أن يشعر الطفل بأنه محاصر بنظرات الأقارب وتعليقاتهم. ومن المهم أيضًا منح الأبناء حق التعبير عن الرأي، وهو حق بسيط لكنه نادر في البيئات الريفية، حيث يُعتبر رأي الطفل ترفًا أو (قلة أدب).. ومع ذلك، فإن هذا الحق هو ما يمنع تكوّن صورة ذهنية تهدم الشخصية منذ الصغر: صورة أن الفرد بلا صوت.

*أما المدرسة، فهي الطرف القادر على تعديل الصور الذهنية دون صدام مباشر مع المجتمع. يمكن للمدرسين أن يفتحوا عيون الطلاب على كيف تتكوّن الصور الذهنية، وكيف يمكنهم التمييز بين رأي الجماعة ورأي العقل. ويمكن للأنشطة المدرسية أن تعزز الثقة بالنفس وتساعد الطفل على بناء صورة ذهنية إيجابية عن قدراته بعيدًا عن الأحكام القروية الجاهزة. كما تحتاج المدرسة في الريف إلى رؤية جديدة لإصلاح الصورة الذهنية عن التعليم نفسه، الصورة التي تجعل الشهادة مجرد هدف شكلي أو طريق للوظيفة لا للحياة.

*لكن التغيير الحقيقي يحدث حين يراجع المجتمع نفسه.. فالقيمة الأكبر التي تحتاجها القرى اليوم هي الحد من سلطة (كلام الناس)، تلك السلطة غير المكتوبة التي تحكم المصائر وتغلق الأبواب وتعيد إنتاج الخوف جيلاً بعد جيل. ويمكن للمجتمع الريفي أن يفتح آفاقًا جديدة للشباب عبر توفير فرص تدريب ومبادرات عملية تشجعهم على ما هو أبعد من المهن التقليدية. كما يحتاج الريف إلى ثورة هادئة في صورة المرأة، ليس عبر الصدام، بل عبر إبراز دورها الحقيقي ومنحها مساحتها الطبيعية في التعليم والعمل واتخاذ القرار.

*ومن الحلول التي لا تقل أهمية تنمية التفكير النقدي لدى الأطفال، حتى يدركوا أن ما يسمعونه من الجماعة ليس دائمًا حقيقة.. كما يجب فصل العادات المفيدة – مثل احترام الكبير والتكافل – عن العادات التي لا تخدم سوى سلطة الجماعة، مثل الخوف المبالغ فيه من الخطأ أو التضييق على حرية الاختيار.. ومن الضروري أيضًا أن تتعلم الأُسر الريفية أساليب التواصل الصحي حتى لا تتشكل لدى الطفل صور ذهنية مشوّهة ناتجة عن التحقير أو الصراخ أو التهديد.

*ولكي تكون الحلول مستدامة، يمكن إدخال التربية الإعلامية في القرى عبر مبادرات بسيطة تشرح كيف تتشكل الصور الذهنية في الإعلام والمجالس والقصص الشعبية، وكيف يمكن تمييز الإشاعة من الحقيقة. كما أن إشراك الشباب في اتخاذ القرارات القروية يمنحهم شعورًا بأنهم ليسوا مجرد مستقبلين لقرارات الآخرين، بل شركاء في صناعة صورة مجتمعهم.

*إن التغيير ليس ثورة على قيم الريف، بل محاولة للحفاظ على الجميل منها وتصحيح ما يعيق التطور. فالقرية التي ربّت أجيالاً من الأخلاق والكرامة يمكنها – بالوعي – أن تربي أجيالاً جديدة من الحرية والتفكير والثقة.. وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن مستعدون لتربية أفراد يختارون صورهم الذهنية بأنفسهم، لا تلك التي اختارتها لهم الجماعة؟.