آخر الأخبار

مصر حينما تكون الشهامة عنوان

شوف عين

معاوية محمد علي

 

*ومئات الآلاف من السودانين يحزمون حقائب الرحيل مودعين (أم الدنيا) بعد أن شهدت الكثير من المناطق في بلادنا الاستقرار وعودة الحياة، لا بد من القول إن شمس الحقيقة لا يحجبها (غربال)، والحقيقة تقول إن مصر قدمت للسودانيين ما لم تقدمه دولة أخرى، والحقيقة تقول أن هناك مخططا واضحا أعد له بعناية فائقة لتشويه صورة مصر وضرب التقارب بين الشعبين السوداني والمصري، ذلك التقارب الذي عبر عنه لسان حال الملايين من السودانيين الذين لجئوا إلى مصر فوجدوا كل الترحاب وكل العون وكل السند، وعبر عنه الملايين من المصريين الذين قاسموا أشقاءهم السودانيين كل شيء، فرأينا تمازج الثقافات ومشاركة العادات، وتابعنا الآلاف من صناع المحتوى المصري وهم يحتفون بالعادات والتقاليد السودانية الأصيلة.

*هذا التعايش البديع لم يعجب أعداء البلدين، فعلا صوتهم في منصات التواصل الاجتماعي إثارة للفتنة والكراهية وتصوير مصر وكأنها توصد الأبواب في وجه السودانيين، متخذين ما تقوم به الدولة المصرية من إجراءات روتينية لضبط الوجود الأجنبي، حصان طروادة لتحقيق أجندتهم، هم قلة من مصريين لا يمثلون شعبا بحجم أمة، يحسبون لجماعة تعادي دولتها وشعبها، وقلة ممن يحملون الجنسية السودانية من شتات القارة، حصلوا عليها في غفلة من الزمان، عندما آلت أمور البلاد إلى طغمة خونة الأوطان والشعوب، بالإضافة إلى قلة من نشطاء سياسيين لا يرون في السودان غير مصالحهم و(شوية) مكاسب سياسية.

*والحقيقة التي يحاول البعض حجبها، أن ما تقوم به مصر هي إجراءات تحدث في كل الدول المحترمة،وكثيرا ما تمنينا أن تشهد بلادنا إجراءات مثلها ضد الأجانب المخالفين الذين عاثوا نهبا وسلبا وفسادا في بلادنا.

*نحن كسودانيين يفترض أن نتقدم بكل آيات الشكر والعرفان لوزارة الداخلية المصرية التي منحتنا عديد الفرص لتوفيق أوضاعنا قبل ان تنفذ حملاتها، ويفترض أن نشكر مصر حكومة وشعبا على ما قدموه لنا من كريم إستقبال وحسن إحتواء ومواساة، وتوفير كل سبل العيش الكريم بلا قيود، وأن ندون ذلك في كتب التاريخ لتعلم أجيالنا القادمة من وقف معنا في زمن الحرب ومن تآمر علينا بالخذلان.

*فمنذ إندلاع الحرب في بلادنا ومصر تستقبل  الآلاف من السودانيين، والآلاف منهم دخلوا (أم الدنيا) بطرق غير شرعية، ومع ذلك وجدوا من الإستقبال أحسنه، ومنحوا الفرصة تلو الفرصة لتوفيق أوضاعهم.

*تقاسم معنا المصريين لقمة العيش والدواء والكساء وقدموا لنا ولم يستبقوا شيئا، إستقبلوا السودانيين بالورود في المعابر، وودعوا من عاد إلي حضن الوطن بالورود والدموع والدعوات الصالحات، فهل كل ذلك يتم إلغاؤه بجرة قلم أو صرخات قلة من هنا وهناك، قلة لا تعبر عن السودانيين ولا المصريين.

*نقول ذلك ونحن نودع مصر بمشاعر فياضة بالشكر والثناء، حافظين للود وللجميل،محملين بديون كالجبال الراسيات لشعبها الكريم، الشهم الأصيل، ونقول ذلك في هذا التوقيت ونحن نغادر (المحروسة) حتى لا يظن البعض ان ما قلناه هو مداهنة او مغازلة من أجل مطامع أو إستثناء في شيء.

*فليس من الدين ولا من الأخلاق ولا من شيم السوداني الذي نهل من النيل العظيم، أن يقابل الإحسان بالجحود والسباب، وأن يقابل كرم دولة عاش فيها عزيزا مكرما، وعاش فيها أمانا أفتقده بسبب الحرب، بالسوء ونكران الجميل.

*مصر كانت لنا سكنا عندما عز السكن، وكانت لنا الأمان عندما سبلتنا مليشيا غادرة الأمان على حين غرة، وتقاعس من سلمناهم زمام أمورنا وبلادنا.

*هذه الحقيقة التي يجب قولها، فالمصريين يستحقون منا الشكر، فهم من فتح لنا القلوب قبل الأبواب ووفروا لنا كل سبل الأمان والعيش في سلام، بينما فتحت بعض دول الجوار الأخرى حدودها لدخول السلاح والمرتزقة لتقتيل شعبنا وتدمير بلادنا، وفتحت دولا أخرى لنا المخيمات التي لا تخلو من إعتداءات.

*فعلمنا أخيرا لماذا وصف الشيخ الراحل عبد الرحيم البرعي مصر ب(أمنا) وأنشد فيها :(يا صاح همنا لزيارة أمنا.. مصر المؤمنة بأهل الله)، ولماذا تغنى الكثير من شعرائنا بحب مصر.

*فمصر ليس مجرد دولة، مصر دنيا بكل مافيها من معاني الدين والدنيا والإنسانية.

*هي الإستثناء وهي السباقة، فشكرا لكل مصري ولكل مصرية: شكرا جميلا، جزيلا، نبيلا، حفظكم الله، أواكم الله، أدام الله خيركم.. وحفظ الله مصر حكومة وشعبا.