بنك الأوجاع
محمود شامي – جيبوتي:
سرح وهو يصب القهوة في فنجانه، حلق بخياله، ووصل إلى مكان بعيد يستوطن ذهنه ويتنفسه، مكان يفكر فيه وفي أحداثه المؤلمة حد البكاء.
فكر في مصير عائلته وأهله في القطاع، البارحة غيبت آلة الحقد والدمار صديق طفولته هناك.
وضع دون شعور منه في فنجان قهوته قطع السكر واحدة تلو الأخرى، وهو شارد الذهن يفكر في تلك الأحداث، ففاضت قهوته وتدفقت على الطاولة، وتزامن ذلك مع سقوط دمعة من عينه في الفنجان.
حينها انتبه، وأحس بما يفعل، وأين يكون.
– ليتني كنت اليوم هناك معهم
قالها بوجع، هز رأسه، عض على شفته السفلى، تنفس بعمق، ثم لملم بقاياه ومعها ملفه وهاتفه، وحامل مفتاح يحوي ثلاثة أو أربعة مفاتيح، وتوجه إلى عمله.
كان ياسين قد عاد من غزة، مسقط رأسه، إلى مكان عمله في تلك الدولة التي يعمل في قناتها الإخبارية ويقيم بها منذ عقد من الزمن.
عاد إليها بعدما قضى إجازته السنوية في مهبط رأسه في القطاع، عاد منها وهو يعاني من أزمة نفسية حادة، وكان ذلك قبل الحرب بأشهر.
لم تمر على أزمته الأولى بضعة أشهر، لتضاف لرصيد وجعه أوجاع بالجملة.
فتتالت الأوجاع بعدها صباح مساء على ياسين، تلقى أخيرا هو والمؤسسة التي يعمل بها نبأ استشهاد زميله وصديق طفولته (أبا وائل)، أثناء تأدية عمله الصحفي في غزة.
وقع اختيار مؤسسته عليه، ليحل محل زميله الفقيد، لم يفوت ياسين الفرصة، فرآها بلسما يشفي جراحاته التي تنزف دما وأملا لتحقيق حلمه في العودة وإيصال معاناة أهله للعالم من هناك.
قبل شهرين من استشهاد صديقه، كان العدوان الصهيوني الغاشم على مدينته قد بدأ بقوة، ومن جهة أخرى، لا خبر عن زوجته.
كانت قد قررت في زيارتهما الأخيرة البقاء في غزة، رغم معارضة ياسين وإصراره على أن تعود برفقته إلى حيث يقيمان.
قوبل إصراره بهربها واختفائها، اعتقد في البداية أنه خلاف عائلي بسيط، وأنها ستعود، لكن الأمر كان أكبر مما تخيل بكثير.
تركها وعاد إلى عمله محملا بالوجع، وبعد ستة أشهر من ذاكرة ذلك الحدث، عاد إلى غزة.
وصل إلى بوابة رفح ملتحفا عباءة الحزن، حاملا في قلبه أوجاعا لا حدود لها، وفي رأسه هموما لا سقف لها.
العدوان منع الإعلاميين من دخول القطاع، أسبوع وهو يلف ويدور في حلقة مفرغة عند تلك البوابة البائسة، والأرض تهتز من حولهم من شدة القصف في الضفة الأخرى للبوابة.
لجأ إلى طرق فرعية للدخول إليها، كانت عملية التسلل للقطاع بالنسبة له ليست صعبة، فهو يعرف دروب مدينته جيدا.
دخل نفقا، ثم آخر، وثالثا، وخرج من آخر نفق على تخوم مخيم البريج وسط غزة، رفقة البعض، وعندما خرج، كانت أعمدة الدخان تلف وتغطي سماء غزة كلها، خرج وسط هلع وفوضى تعمان المكان والزمان، أطفال وشيوخ ونساء يشبهون كائنات غريبة نزلت من كوكب آخر، أو أمواتا خرجوا للتو من القبور، وهم تائهون لا يعرفون إلى أين يتجهون.
جرحى تسيل دماؤهم كالأنهار، وشهداء محمولون على الأكتاف وعلى نعوش خشبية، وملفوفة في أقمشة بيضاء، وأخرى لأطفال في صدور الآباء والأمهات، وضحايا مردومون تحت الأنقاض.
ياسين ترك المايك، رمى خوذة وشارة الصحفيين، والقلم والمفكرة، بدأ يساعد المنكوبين، مع أياد خيرة كانت تساعد بلا كلل ولا ملل.
عاد معهم إلى الأماكن الخطرة، وأسعف المنكوبين من شهداء وجرحى.
فجأة لمحها بين الحشود، إنها هي، شيماء، زوجته، تحتضن بندقية، ترتدي بزة المقاومة، محمولة على نعش خشبي، استشهدت في ساحة الوغى، بعدما التحمت ورفاقها الخمسة مع دبابتي (مركافا).
لف وجهه بشال أحمر، مرسوم عليه أغصان الزيتون، كانت قد دسته شيماء في شنطته قبل أن تختفي وتلتحق بصفوف المقاومة.
حمل بندقيتها، وانطلق مع رفاقها صوبَ العدو،سمع بعد دقائق من اختفائه أصوات أعيرة نارية، وتراشقا بالبنادق والصواريخ.
هدأت كل تلك الأصوات، وغطت سماء غزة سحب ملبدة ببوارق الأمل، وبعد ثوان قليلة، سمع صوتا يكبر
الله أكبر ، وأصواتا أخرى تردد هنا وهناك في كل مكان وبقوة:
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر