آخر الأخبار

نُخَب بلا وطن.. المُنظرون السودانيون في القاهرة

 

عمرو خان

*في القاهرة، اجتمع بعض قادة الأحزاب والقوى المدنية السودانية تحت لافتةٍ تبدو في ظاهرها وطنية، لكنها في جوهرها لم تخرج عن كونها حلقة جديدة من حلقات التنظير السياسي العقيم.. وبينما كانت الفاشر تختنق تحت نيران المليشيات وسقوط المدينة يفتح جرحاً جديداً في الجسد السوداني، كان بعض هؤلاء القادة يتهيأون للكاميرات، يرتبون كلماتهم بعناية، ويتبادلون الأدوار في مشهدٍ أقرب إلى سباقٍ في البلاغة منه إلى اجتماعٍ لإنقاذ وطنٍ يحتضر.

*تحدثوا كثيراً – بل أكثر مما يجب – عن الأزمة، عن الديمقراطية، عن الحوار، عن الانسداد، وعن غياب الأفق.. لكنهم جميعاً نسوا شيئاً واحداً: أن الوطن لا يُرمم بالحديث، وأن الدماء في دارفور وكردفان لا تجف بخطابات المؤتمرات.. خرجوا علينا بعباراتٍ منمقة، ونظرياتٍ متعالية، حتى قال أحدهم متذاكياً: (لسنا بحاجةٍ إلى الحديث عمّا يحدث، بل عن ما بعد نقض الهدنة، فالهدنة إن حدثت فلن تصمد أكثر من ثلاثة أيام) كأنّ الوطن في نظره مجرد تمرينٍ في التوقعات، أو مسألةٍ سياسية تُحل على الورق لا على الأرض.

*لقد كنتُ قريباً منهم، ورأيتهم عن كثب.. لم أرَ في عيونهم شوقاً لوطنٍ جريح، بل رأيت فيهم رغبةً جامحة في أن يُسمع صوتهم، لا أن يُسمع صوت الشعب.. كانوا يتحدثون عن انسداد المسار الديمقراطي بينما هم أنفسهم أغلقوا أبواب المشاركة، يتحدثون عن غياب الرؤية بينما يعجزون عن رؤية ما وراء الميكروفون. جميعهم يحلم أن يكون جزءاً من الحل، لكنه يرفض أن يبدأ بنفسه، لأن الحلّ الحقيقي يتطلب تجرّداً لا يملكونه، وشجاعةً فقدوها منذ زمن.

*لقد اختار هؤلاء القادة – أو من يدّعون القيادة – أن يعيشوا في هامش الأزمة، لا في صميمها، أن يكونوا مفسرين لما يجري لا فاعلين فيه.. إنهم يدرسون الكارثة ببرود، ويستمتعون بدور المراقب الحكيم في وقتٍ يحتاج فيه السودان إلى من يمد يده في النار.. ما أشبههم بأولئك الذين يتحدثون عن السفينة وهي تغرق، دون أن يخطر ببالهم القفز لإنقاذ أحد الركاب.

*مشكلة السودان لم تعد في من يحمل السلاح فقط، بل في من يحمل الميكروفون ويتحدث باسم الوطن دون أن يشعر بنبضه.. هؤلاء الذين يرون في كل أزمةٍ فرصة للظهور، وفي كل مأساةٍ منبراً جديداً، هم وجهٌ آخر من وجوه الخراب، وإن اختلفت أدواتهم.

*إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات المتحدثة، بل إلى ضميرٍ ينهض من تحت الركام.. لا يحتاج إلى مؤتمراتٍ تُعقد في العواصم، بل إلى إرادةٍ تولد في الداخل، في قلب المأساة لا على أطرافها. فالوطن لا يُبنى بأناقة القول، بل بصدق الفعل.

*ولذلك، فإنّ السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه هؤلاء على أنفسهم ليس: (ماذا بعد نقض الهدنة؟) بل: (متى نصالح أنفسنا مع فكرة الوطن؟) لأنّ من يتحدث عن السودان وكأنه فكرة مجردة، لا وطن حيّ، هو في الحقيقة جزء من مأساةٍ أعمق من الحرب نفسها.

*كاتب صحفي مصري