الزهور تُبعد آثار الحرب في الخرطوم
الخرطوم- بعد سنوات ثقيلة طغت فيها أصوات المدافع على ملامح المدينة، استيقظ وسط الخرطوم على مشهد مختلف، ففي خطوة تحمل دلالات إنسانية واجتماعية عميقة، احتضنت العاصمة السودانية أول مهرجان للزهور منذ اندلاع الحرب، في رسالة واضحة مفادها أن الخرطوم، رغم ما أصابها، ما تزال قادرة على استعادة نبضها وفتح نوافذ الأمل من جديد.
وأُقيم المهرجان، الذي حمل اسم “معرض شتلة”، في منتزه مارينا بارك وسط الخرطوم، وهي إحدى المناطق التي ظلت خلال العامين الماضيين ميدانا للقتال والعمليات العسكرية.
واليوم، وفي المكان ذاته الذي ارتبط طويلا بمشاهد الدمار، عادت الحركة والحياة، مع توافد الزوّار إلى المعرض الذي حوّل الموقع إلى مساحة للأمل والتلاقي المجتمعي، وبدت الزهور النادرة وهي تتوسط المكان وكأنها تعيد صياغة المشهد، وتمنح المنطقة معنى جديدا بعد مرحلة قاسية من الحرب.
إقبال كبير
وشهد معرض شتلة مشاركة نحو 150 شركة من مختلف أنحاء السودان، عرضت فيه تشكيلة واسعة من الزهور ونباتات الزينة، إضافة لأنواع نادرة من النباتات، في مشهد عكس تنوع الإنتاج الزراعي المحلي وقدرته على التعافي رغم التحديات.
وتَضمَّن المهرجان، إلى جانب العروض النباتية، أجنحة تعريفية للمشاركين ونشاطات توعوية، حول أهمية التشجير والمساحات الخضراء في تحسين البيئة الحضرية، ودورها في دعم الاستقرار البيئي والاجتماعي. ورأى منظموه أنه يحمل رسالة مفادها أن الحياة في العاصمة قد عادت إلى طبيعتها.
وقال محمد السعودي، صاحب منتزه مارينا بارك الذي يحتضن المعرض، إنهم يسعون لتوفير مساحة للأسر والزوار للترفيه داخل المنتزه، إضافة إلى احتضان الفعاليات المجتمعية والاقتصادية.
وأضاف السعودي للجزيرة نت أن عددا كبيرا من المشاتل تعرّض للدمار خلال الحرب، الأمر الذي دفعهم لاستضافة المعرض بهدف جمع أصحاب المشاتل والمهتمين بالنباتات في مكان واحد، ودعم عودة النشاط الزراعي والبيئي إلى العاصمة.
ولاقى المعرض حضورا لافتا من الزوار، في أجواء اتسمت بالتفاعل والاهتمام، وسط مشاهد عكست عودة الأنشطة المجتمعية والفعاليات العامة بعد سنوات من التوقف.
وقال إبراهيم التوم، أحد زوار المعرض، إن مشاهد الخضرة والزهور “محَت إلى حد كبير آثار الدمار التي تحيط بالمكان”. وأضاف للجزيرة نت، أنه عاد إلى الخرطوم قادما من رحلة نزوح رفقة أسرته، ولم يكن يتوقع أن يرى الشوارع والمتنزهات وقد استعادت حيويتها، وأن يجد هذا القدر من الزوّار.
إحياء للعاصمة
وفي مدينة أنهكتها الحرب، بدا معرض الزهور بمثابة إشارة على بداية مرحلة تفتح أبوابها لعودة الحياة. ويأتي تنظيم مهرجان الزهور الأول في سياق عودة الأنشطة المدنية والاجتماعية إلى الخرطوم، مع تحسن الأوضاع الأمنية في جميع مدن العاصمة.
وشهدت ولاية الخرطوم نشاطات مجتمعية متعددة هدفت إلى إشراك المواطنين، كمبادرة “الخرطوم خضراء”، الهادفة إلى زراعة 1000 شجرة في الطرق العامة وعلى طول الشوارع الرئيسية.
وبحسب القائمين على المبادرة، فقد تم غرس عشرات الأشجار المثمرة ونباتات الزينة، حيث تساهم المبادرة بتعزيز الوعي البيئي بين السكان.
وأشار رئيس مبادرة الخرطوم خضراء، مجتبى رزق، في حديث للجزيرة نت، إلى أن الجهود ستستمر لتشمل بقية مدن ولاية الخرطوم، ضمن خطة طويلة الأمد لتحويل المدينة تدريجيا إلى بيئة أكثر خضرة، وتعويض ما فقدته من حدائق ومساحات عامة جراء القطع الجائر للأشجار خلال الحرب.
كما تأتي مبادرة “بيتنا أخضر” ضمن المبادرات المجتمعية التي تعكس الجهود المبذولة لإعادة الحياة إلى الخرطوم بعد سنوات الحرب، والتي تُركّز على تشجيع الأسر على زراعة النباتات والزهور داخل أحيائهم ومنازلهم.
كما تشجع على الاستخدام المستدام للمياه وزراعة النباتات المثمرة، ما يتيح للأسر الحصول على منتجات طبيعية تُعزّز الأمن الغذائي المحلي.
وفي أحياء أخرى من العاصمة، أعادت حملات النظافة الشعبية، والتي تأتي ضمن الجهود المجتمعية لتهيئة البيئة، فتح الشوارع والتخلُّص من النباتات الضارة والحشائش التي غطّت الشوارع والميادين.
دور رسمي
كما شرعت السلطات المختصة في توفير الخدمات كالكهرباء وإعادة تأهيل محطات المياه والصرف الصحي، إلى جانب صيانة المرافق العامة والأسواق، مما ساهم في تهيئة البيئة، وعودة الأنشطة الاقتصادية والثقافية والمجتمعية.
وفي السياق البيئي كشفت تقارير رسمية عن أضرار واسعة لحقت بغابة السنط، إحدى أهم المساحات الخضراء في الخرطوم، نتيجة الحرب والقطع الجائر للأشجار خلال العامين الماضيين. وتعد الغابة الواقعة على الضفة الشرقية للنيل الأبيض والتي تعرف “برئة الخرطوم الخضراء” محمية طبيعية منذ 1939.
ووجّه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، خلال زيارة ميدانية لغابة السنط، بإعداد خطة عاجلة لتأهيلها وحمايتها، شملت وقف التعديات والبدء في برامج لإعادة الاستزراع بالتنسيق مع وزارة الزراعة، في خطوة تهدف لوقف التدهور الذي لحق بالغابة بسبب الحرب.
وتأتي هذه الجهود الرسمية إلى جانب المبادرات المجتمعية وحملات التشجير، ضمن مساعٍ أوسع لترميم ما خلّفته الحرب من أضرار بيئية، بالتوازي مع عودة الأنشطة المجتمعية والحياة العامة إلى الخرطوم.