قصة ..لم يعد لي غد
أروى مجدي – مصر:
لم أكن أعرف أنها سريعة إلى هذا الحد.
كيف لم أشعر بها عندما كانت تمرّ من حولي في انسجامٍ تام دون توقّف؟
وكأنني في بُعدٍ آخر، فانتهت ولم أعشها.
أيامٌ طويلة، وسنين عريضة، وعمرٌ كامل انقضى قبل إدراكي له
تفاصيل صغيرة ظننتها مؤقّتة، فخُلِّدت في عقلي لتؤلمني بالحنين الآن.
شطيرة ألقيتها وراء سريري لأن أمي أجبرتني على تناولها.
ثم.. صوتها وهي تناديني فأدّعي الطرش لأنها لن تتركني أخرج مرةً أخرى.
ابتسامة أبي لي وهو ممسك بيدي قبل أن يعطيني مصروفي ويربّت على رأسي بحنان كعادته ويتركني في مدرستي.
قلق أمي وسهرها طوال الليل فوق رأسي تنتظر انخفاض حرارتي
رسالة تمنّيت بشدّة لو أنني كتبتها
أناسٌ ليتهم يسامحونني، اعتذاري على لساني ولم أخرجه لهم عندما كنت أستطيع.
ووداعٌ تهاونت فيه فكان أبديًّا
آه، كدتُ أنسى
و (تأجيل اليوم للغد)
يا لبؤسي
أجّلت عمري كلّه للغد، والآن لم يعد لي غدٌ لأعيش عمري المؤجّل
لا غدَ أصل إليه… كم أنا تعيس
ها هي حياتي تمرّ سريعًا، أيّامًا فارغة
وما عمري إلا يومٌ واحد يُعاد، لم أعش غيره.
لِمَ لا تسمعون إلحاحي؟ أوقفوها ولو صباحًا واحدًا لتتقبّلني على الأقل
أريد سحب أنفاسي
جفني يثقل.
أحاول مقاومته،
أحاول أن أتشبّث بكلّ ما تبقّى أمام عينيّ
أبي وأمي،مدرستي وأحلامي،قراراتي السريعة والخاطئة ، مسؤوليات نويتُ تحملها و لم أفعل.
الصغير منّي، والشاب منّي، وهذا الكهل الهزيل أيضًا؛ أريد بقاءه.
سيفنى جسدي ويبتلعه الدود الآن…؟
أتمنّى العودة ولو ليومٍ واحد لأبدأ من جديد.
لكن لا مفرّ، فات زماني
ها هو جفني يغلبني كما غلبني الحنين.
سريري، وصوت الصفّارة المختلط بدقّات قلبي العالية… هل أزعجتكم؟
انتظروا معي فقط عدّ الثواني، و ستتوقّف
سينتهي يومي الأخير، مرّت آخر ساعاتي، حسبت دقائقي،
لحظاتي الأخيرة أبطأ من حياتي!
ضوء بارد،
أُناس كثيرة أسمع بكاءهم المكتوم
يبكونني يا سادة.
لا أستطيع رؤيتهم…أظن أني أعرفهم
ليتهم يذكروني عندما تمر بهم سريعا كما فعلت بي… ولن يستطيعوا إيقافها.
ها هي دقّات قلبي… لم أعد أسمعها
ها هو جفني يُغلق رغماً عني للمرة الأخيرة.
سبقني الموت، فلن ألحق وصفه لكم
لكنه آتٍ فانتظروه.