قصة قصيرة : ما بعد التشخيص
نورة موافقي – الجزائر:
تخرّج حديثًا، وما يزال اسمه مسبوقًا بدهشةٍ خفيّة كلّما ناداه أحدهم: دكتور
كان يعتقد أن الشهادة ستمنحه يقينًا، فإذا بها لا تمنحه سوى أسئلة أكثر ترتيبًا.
في صباحٍ رماديّ، خرج يتجوّل في حديقة المستشفى للأمراض العقليّة
الأشجار هناك لا تُثمر، لكنها تصغي.
الممرّات نظيفة أكثر من اللازم، إنها تخفي تحتها اعترافاتٍ لا تُقال.
كان المرضى يتوزّعون على المقاعد بطرائق تشبه الخرائط النفسيّة
من يحدّق في الفراغ
من يحدّث نفسه بثقةٍ تحسد
ومن يبتسم بلا سببٍ واضح، وكأنّه يعرف سرًّا لا يليق بالعقلاء
اقترب منه أحد المقيمين.
رجل في منتصف العمر، ملامحه هادئة إلى حدّ الارتياب
وعيناه لا تحملان الفوضى التي قرأ عنها في الكتب.
قال الرجل:
هل انتهيتَ من دراسة العقول، أم ما تزال تدرس خوفك منها؟
ارتبك الطبيب.
لم يكن السؤال عدائيًّا بل دقيقًا
كأنّه صُمّم خصيصًا ليصيب موضعًا لم يتعلّم بعد كيف يحميه.
أنا طبيب
أجاب بعد تردّد
وأنتَ… مقيم هنا
ابتسم الرجل، ابتسامة من يعرف أن التصنيفات لا تصمد طويلًا
نعم أنا مقيم. لكن ليس كلّ المقيمين مرضى، كما ليس كلّ الأطباء أصحّاء.
جلسا على مقعدٍ خشبيّ تقشّر طلاؤه
كأنّ الزمن هو الوحيد الذي مارس عليه العلاج.
قال المقيم وهو يراقب ورقة تسقط من شجرة قريبة:
هل تعلّمتم في الجامعة كيف يُصاب الإنسان بالعقل؟
أم درّسوكم فقط كيف يفقده؟
صمت الطبيب
تذكّر المحاضرات، الرسوم البيانيّة الأعراض، التشخيصات
لكنّه لم يتذكّر درسًا واحدًا عن معنى أن يكون الإنسان سويًّا
نحن نُسمّي ما لا نفهمه اضطرابًا
تابع الرجل
– ثم نغلق عليه الأبواب ونطمئن
شعر الطبيب بشيءٍ ينزلق داخله.
كان يعلم، للمرّة الأولى، أنّ المعرفة قد تكون نوعًا من العمى المتقن.
نهض المقيم ببطء
– لا تقلق، يا دكتور
أنتم تعالجوننا لنعود إلى العالم
ونحن نقيم هنا لنتعلّم كيف نحتمله.
ثم مضى
تاركًا الطبيب وحيدًا أمام تشخيصٍ لم يرد في أيّ دليلٍ طبيّ.
وفي تلك اللحظة
لم يعد متأكدًا
أيّهما يحتاج إلى علاج أكثر:
المستشفى
أم العالم خارجه