آخر الأخبار

إفطار مؤجل

 

أسماء الشيباني- اليمن:

باسم الحنين المتوهج في أحشائي

أبعث إليك أبتِ كلماتِ منسوجة بمداد الوجع.

مرت ثلاث سنوات على غيابك الذي خُتِم بصكِّ الموت، وابنتك لم تتجاوز فجيعة رحيلك عن عالمها المؤطر بملامحك الدافئة.

أبتاه

هل تسمع ندائي وأنت في دار الخلود؟

ما زالت ذكرياتنا الرمضانية ماكثةً في مخيلتي اليقظة. فهاهو رمضان أقبل ينثر البهجة على أفواه العباد إلا أنا؛ لم ولن تصلني وأنت لست بقربي.

أتعلم أن مائدة الحب والألفة التي كنا نتجمع حولها قد تلاشت وتبدد كل ما عليها ولم يبقَ منها إلا مكانك الشاغر الذي يفتقد وجودك.

نعم يا أبي، تلك الزاوية تحِنُّ لعودتك وذلك المصحف يحِنُّ ليديك وهما تحتضناه بشغف ووقار.

 

أبي، أشتاق لصوت قراءتك للقرآن وكأنه سِحرٌ يتسلل لقلبي وقت الفجر فأغفو قريرة العين على إثره. وما أجمله قبيل المغرب يتردد في أركان البيت مثل التمر والماء يرطب جفاف فمي قبيل الأذان! وفجأة، اُنتُزع كل ذلك الترف الذي كنت أحياه، وبقت بدلا عنه غصة حادة في حلقي كلما تجرعت شيئًا نغزت مواجعي المتأرجحة بين الثبات والضعف.

حتى الفانوس الصغير أظلم وانطفأت أضواؤه حدادا وحزنا على فراقك فكيف بقلبي الذي تسكن بداخله منذ نعومة أظافري؟

كيف بوسعه أن يتحمل دكنة غيابك عنه؟.

وأنا ألمح طيفك بين انحناءات الصلاة وأصغي لسكون صوتك المرتل في انتفاضة التراويح، لقد كان ذلك الصوت مثل تميمة اطمئنان تنساب في أعماقنا، ودعواتك وقت الغروب واسمي يتوهج بينها مثل وِرْد الأذكار يهطل على يباس روحي فيخْضَرُّ زرعها الهشيم.

أبتاه

مذ خسرتك وأنا أحاول أن أتحكم بلجام الحزن كي لا يرديني إلى طريق لا يرضاه الله، فأصطبر اصطبار الأنبياء، وألجأ إلى خالقي ليمدني بجسر الرضا بقضائه. الحنين إليك مثل جمر يمزق أنفاسي ببطء قاتل، لكني سأدرب نفسي على الصوم عن الأتراح، وسأجعل من مناجاتي لك نبراسا ينير حلكة أحزاني التي تلاحقني باستمرار كلما اتخذت الخلوة رفيقا لي، فلعل رياح رمضان تلامس دارك وتخبرك أن الشوق للقائك هو إفطاري بعد كل هذا الصيام الشاق.

 

أبي العزيز

أخذك الموت جسدا من أمامي لكن حضورك في كل تفاصيلي ما يزال حيا، فأنا أستشعرك في دعاء يبلل لساني وفي مصلاك الذي يمتلئ بعطرك العذب وفي يقيني الذي ورثته منك. صيامي عن رؤيتك مستمرا حتى نفطر معا في جنة عدن حيث اللقاء خالد هناك، فنم بسكينة يحفك دعائي في كل حين

 

إمضاء

ابنتُك الصائمةُ عن البهجة حتى تفطرَ على عناقِك في الجنة.