أفول شمس التراث الشعبي في الولاية الشمالية(1)
- تفريغ الذاكرة يهدد الأجيال القادمة بتاريخ بلا ملامح ولا جذور
- الفجوة الحادثة بين الأجيال ليست صراع حضارات بل إنفصالا صامتا
- كبار السن: نحن آخر الحراس لذاكرة تتآكل
- الباحث صلاح هاشم: اللغة لم تكن مجرد وسيلة تواصل بل كانت حاملة للقيم والحكم والأمثال التي شكلت وعي إنسان المنطقة
- الشباب: التراث لا يواكب العصر فمتطلبات الحياة الحديثة لا تترك مجالا للتشبث بالماضي
- فنان شعبي: أصبحنا نغني للذاكرة لكنها لم تعد تصغي إلينا
حسينارتي ــ عادل الحاج:
في القرى الممتدة على ضفاف النيل بالشمالية، لم يعد المساء كما كان.. غابت أصوات الأغنيات الشعبية التي كانت تُغنّى على إيقاع الطمبور والدليب، وتوارى الزيّ التقليدي خلف أقمشة وافدة، وتحوّلت اللغة التي كانت تُحكى في المجالس إلى همسٍ متقطّع بين كبار السن.. هنا، لا يموت التراث فجأة، بل يذبل ببطء… كما تذبل نخلة تُركت بلا ماء.. هذا التحقيق يحاول تتبّع ملامح أفول التراث الشعبي في الشمالية، لا بوصفه حنيناً رومانسياً للماضي، بل باعتباره سؤالاً جوهرياً عن الهوية، والذاكرة، والقطيعة بين الأجيال.
الذاكرة تتآكل:
علاقة الإنسان بالتراث كانت علاقة حيّة ثم انكسرت، فلم يكن التراث الشعبي في الشمالية مادة محفوظة في الكتب أو المعارض الفلكلورية، بل كان أسلوب حياة: لغة تُتداول، أغانٍ تُغنّى في الحصاد، طقوس ترافق الميلاد والزواج والموت.
اليوم، يقرّ كثير من كبار السن بأنهم آخر الحراس لذاكرة تتآكل.. ويؤكد الأستاذ، صلاح هاشم محجوب، أحد أبناء الولاية الشمالية والمهتمين بالتراث الشعبي، خاصة في منطقة منحنى النيل، أن التراث الشعبي ظل صامدًا لفترات طويلة في وجه التحولات، غير أن هذا الصمود بدأ يتآكل مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال، ويقول في هذا الصدد:
بالرغم من صمود تراثنا الشعبي القديم في الولاية الشمالية، إلا أنه مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال بدأ يندثر جزء كبير منه.. وأول مظاهر هذا الإندثار تجلّت في تغيّر اللغة المستخدمة داخل المجتمع، حيث تراجعت اللغات المحلية من التداول اليومي، خصوصًا بين الأجيال الشابة، لتحل محلها لغة واحدة فقدت الكثير من مفردات الذاكرة الشعبية والتعابير المرتبطة بالبيئة والثقافة المحلية.. فاللغة لم تكن مجرد وسيلة تواصل، بل كانت حاملة للقيم والحِكم والأمثال التي شكّلت وعي إنسان المنطقة عبر قرون.. وننبه للتحول الواضح في أنماط اللبس، حيث طغت الملابس الوافدة ذات الطابع الأفرنجي، كالبنطال والأقمصة، على المشهد اليومي، بعد أن كان الزي السوداني التقليدي – الجلابية، والعمامة، والمركوب – هو العنوان الأبرز لهوية إنسان الشمالية ومظهره الاجتماعي.. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الذوق، بل مثّل تراجعًا في رمزية الزيّ كعلامة إنتماء وخصوصية ثقافية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد إذ يمتد الإندثار ليشمل إختفاء العديد من الأدوات التقليدية التي كان يعتمد عليها إنسان الولاية الشمالية في تفاصيل حياته اليومية، من أدوات الزراعة والري، إلى أواني الإستخدام المنزلي، وأدوات الحِرف اليدوية، التي كانت تصنع محليًا وتعكس علاقة الإنسان بأرضه وبيئته.. وقد حلّت مكانها أدوات حديثة مستوردة، أفقدت الحياة اليومية كثيرًا من ملامحها التراثية.. بإختصار، أن ما يحدث اليوم ليس فقدانًا لأشياء مادية فحسب، بل تفريغ تدريجي للذاكرة الجمعية، ونحذر من أن إستمرار هذا المسار دون وعي أو توثيق أو نقلٍ منظم للتراث، سيجعل الأجيال القادمة تقف أمام تاريخها بلا ملامح ولا جذور.
فجوة بين جيلين:

ويقول أحد كبار السن من دنقلا العجوز قابلته على متن بص سفري كان متجهاً من امدرمان إلى دنقلا: أحفادي لا يفهمون لغتنا، ولا يعرفون أسماء أدوات كنا نعيش بها
في المقابل، يرى عدد من الشباب: التراث لا يواكب العصر، فمتطلبات الحياة الحديثة لا تترك مجالًا للتشبث بالماضي.
ذلك يعني ان هذه الفجوة بين جيلين ليست صراعاً، بل انفصالاً صامتا،
ففي غضون ذلك بدأت اللغة المحلية ــ ذاكرة أجدادنا ــ تتآكل داخل البيوت، فهي أول ما يسقط حين يبدأ التراث في الانحسار.. في كثير من بيوت الشمالية، لم تعد اللغة المحلية تُستخدم إلا بين الكبار، بينما نشأ الأبناء على العربية وحدها.
فغياب اللغة من المناهج الدراسية، وعدم تشجيع إستخدامها في الإعلام، جعلها تبدو وكأنها لهجة هامشية لا قيمة لها خارج نطاق البيت، رغم كونها وعاءً للتاريخ والأساطير والحكمة الشعبية.. فاللغة حين تموت، لا تموت كلماتها فقط، بل تموت طريقة رؤية العالم.
الأغنية الشعبية:
كانت الأغنية الشعبية مرآة للمجتمع، تُغنّى جماعياً في الزراعة، في الأعراس، وفي لحظات الفرح والحزن.. إختفت اليوم تلك الأغنيات من الحياة اليومية، وحلّت محلها أغانٍ سريعة الإستهلاك، تُنتَج خارج السياق المحلي.. فهناك فنانون شعبيون يشكون غياب الدعم، وغياب المنصات، وغياب الجمهور نفسه.. يقول أحدهم:
أصبحنا نغني للذاكرة، لكن الذاكرة لم تعد تصغى إلينا
الزي التقليدي:
اما الزي التقليدي فهو الآخر بدأ في الإندثار، فلم يكن الزيّ الشعبي زينة، بل علامة إنتماء، ألوانه، وطريقة لفّه، ولبسه، فاليوم لا يظهر هذا الزي إلا في مناسبات محدودة، وذلك بوصفه (فلكلورًا) لا حياةً يومية.. فالحداثة، والهجرة، وتأثير وسائل التواصل، جعلت الأزياء الوافدة أكثر حضورًا، بينما إنزوى الزي التقليدي في صور قديمة.
العمارة التراثية:
واذا نظرنا الي بيوتنا نجدها فقدت روحها، فالبيوت الطينية، المسقوفة بجذوع النخيل، لم تكن مجرد مساكن، بل كانت إستجابة ذكية للبيئة، ومخزوناً جمالياً ومعرفياً.. فإستبدال هذه العمارة التقليدية التراثية، بالأسمنت غيّر شكل القرى، وبدّد ملامحها البصرية، وألغى ذاكرة المكان، فلقد هدمنا بيوتنا القديمة دون أن نفهم قيمتها.
الحلقة القادمة:
ــ الهجرة أقسى الضربات التي تلقاها التراث بالولاية الشمالية.
ــ غابت أصوات الأغنيات الشعبية من قرى الشمالية التي كانت تغنى على إيقاع الطمبور والدليب.
ــ الرحط والفركة والقرمصيص.. مقتنيات تراثية تآكلت وإنزوت في ذاكرة الكبار فقط.