
سُمّ السواتر.. حين يُطالَبُ المواطنُ بالترشيد في عتمةِ العدَم
آية الغازي كشان
*تتفاقم أزمة الخدمات في العاصمة السودانية لتضع المواطن الصابر أمام تساؤلاتٍ منطقية تفرض نفسها بقوة على الساحة المحلية؛ ففي الوقت الذي تعاني فيه مدينة أم درمان وولايات أخرى من انقطاعٍ تام للتيار الكهربائي تجاوز الخمسة أيام متواصلة، وتشير فيه التقديرات الرسمية إلى امتداد الأزمة لنحو 3 أيام إضافية لحين وصول قطع الغيار (الأسبيرات) وإتمام أعمال الصيانة، يخرج التصريح الرسمي من وزارة الطاقة والكهرباء والمعادن ليطالب الشارع بـ ترشيد الاستهلاك.
*وهنا يبرز التساؤل التهكمي والمشروع الذي يتداوله المواطنون بمرارة: كيف يُطالَبُ المواطن بترشيد الكهرباء وهي معدومةٌ بالأساس؟
مفارقة المعاناة: من صمود الشبكة في أعتى أيام الحرب إلى ظلام الأسبيرات
إن ما يبعث على الحيرة والأسى في هذه الأزمة العميقة، هو المقارنة الشاخصة بين الوضع الحالي والفترات السابقة؛ ففي أعتى ظروف الحرب والضغط الهائل على المحولات والشبكات في المناطق السكنية، كانت الكهرباء تستقر صموداً وتحدياً بفضل جهود الميدان.
*أما اليوم، فنحن أمام واقعٍ يفرض ظلاماً دامساً يمتد لنصف شهر (15 يوماً) على مدينة أم درمان، مما يشكل عائقاً حقيقياً أمام حياة الناس اليومية، ويؤدي إلى توقف المشافيء وتلف المستلزمات واحتضار الأنشطة الاقتصادية، في ظل ظروف ضاغطة ومجهدة بطبعها.
*هذا الواقع المأزوم يعكس خللاً بليغاً يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط:
– أسبوعٱ من الظلام التام: واقعٌ قاسي يُفرض على الأحياء السكنية والقطاعات الحيوية.
-غياب الحلول الإسعافية: الاعتماد الكلي والانتظار السلبي لجدول وصول قطع الغيار بينما تتوقف الحياة تماماً
– خطاب رسمي منفصل عن الواقع: مطالبات حكومتيه بالترشيد في وقتٍ انعدم فيه التيار بالكامل.
-احترام عقول المواطنين وضرورة كشف الحقائق.
*إن المواطن السوداني في أم درمان والخرطوم، وفي كل ولايات البلاد، أثبت قدرةً استثنائية على تحمل الأعباء وتجرع المشاق وصبر على ما لا تطيقه الجبال.
*غير أن هذا الصبر الممتد لا يعني بأي حال من الأحوال القبول بغياب الشفافية أو الاستخفاف بالعقول، إن المطلوب اليوم من الجهات المختصة في وزارة الطاقة والكهرباء والمعادن يتركز في محاور عاجلة لا تحتمل التأجيل.
* الشفافية المطلوبة: كشف ملابسات الأزمة بكل وضوح ودون مواربة، وتوضيح الأسباب الحقيقية لتأخر الصيانة والمدد الزمنية الفعلية للحل.
* واقعية الخطاب الإعلامي: إن الترشيد يكون للمتوفر لا المعدوم؛ وحين ينقطع التيار لأسابيع، يصبح الحديث عن الترشيد قفزاً فوق جراح المواطنين ومفارقةً لا تقبلها الأذهان.
* البدائل العاجلة: فتح كافة المسارات وتوفير الحلول الإسعافية لإعادة الاستقرار للشبكة بدلاً من رهن حياة الملايين بانتظار شحنة أسبيرات.
*نحن نقدّر تماماً حجم الجهد والتضحيات التي يبذلها المهندسون والفرق الفنية في الميدان، ونعلم حجم التحديات والظروف المعقدة التي تعمل فيها أجهزة الدولة.. ولكن، احترام عقول هذا الشعب الصابر وكشف الحقائق أمامه بشفافية ومسؤولية هو أول خطوات الحل والتعافي، ارحموا هذا الشعب.. واكشفوا له الحقيقة كما هي.