
تصريحات مناوي…تهديد أم خوف؟
قبل المغيب
عبدالملك النعيم أحمد
*حركة تحرير السودان التي كانت بداياتها بين العامين 2001م 2003م في ولايات دارفور حينئذ وأنطلقت رسمياً في العام 2006م بقيادة المتمرد حتى كتابة هذه الزاوية عبد الواحد محمد نور والذي ظل رافضاً لكل التسويات السياسية التي تمت مع غيره من متمردي حركات دارفور المسلحة والتي نشأت حسب زعمهم بسبب تهميش دارفور وبعد ذلك إدعت صفة القومية لتضم إليها عناصراً من خارج الإقليم خاصة بعد الإنقسامات التي طالت معظمها وزاد عددها عن الثلاثين تنظيماً علي أيام حكومة الإنقاذ قبل أن يأفل نجم الكثير منها وتتوارى عن مسرح الأحداث.
*كان الإنقسام الأول لحركة تحرير السودان والتي ربما إتخذت هذا الإسم (تيمناً) بحركة تحرير السودان لقائدها الراحل دكتور جون قرنف دي ما بيور وما حققته من نجاح في نظر مؤيديها بتوقيع إتفاقية سلام نيفاشا والتي إنتهت بفصل جنوب السودان رغم اختلاف الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمكونات الأخرى بين جنوب السودان ودارفور تلك الحركة التي أسسها المتمرد عبدالواحد محمد نور وأصبح رئيساً لها مع الأمين العام للحركة مني أركو مناوي الذي إنشق وكون حركته بنفس الإسم وكان سبب الخلاف في ادارة الشأن السياسي وآلية العمل فضلا عن الطموحات الشخصية لكل منهما والذي نجم عنه رفض عبدالواحد لأي تسوية سياسية مع حكومة الإنقاذ بل ومع كل الحكومات الى يومنا هذا في حين أن مناوي كان يرى ضرورة التفاوض مع الحكومة والانخراط في العمل السياسي لذلك كانت اولى ثمرات إنشقاقه الدخول في مفاوضات مع الحكومة فيما عرف بمفاوضات ابوجا عام 2006م والتي عين بموجبها كبيرا لمساعدي رئيس الجمهورية وظيفة أنشئت خصيصاً لإرضائه ورئيسا للسلطة الإنتقالية في إقليم دارفور في ظل وجود حركة عبدالواحد المتمردة حاملة للسلاح في الإقليم الذي يشرف عليه مناوي دون أن ينجح في تغيير الخارطة السياسية في دارفور أو أن ينجح في توطين النازحين في مناطقهم الأصلية ويلغي بذلك المعسكرات وكأنما التاريخ يعيد نفسه خلال هذه الفترة التي تم فيها تعيين مني اركو مناوي حاكماً لإقليم دارفور رغم وجود نظام حكم إتحادي يضم فيه إقليم دارفور خمس ولايات وجميعها الآن محتلة وتحت سيطرة الدعم السريع المتمرد على الحكم والدولة بل ويخاطب رئيس وزراء ما تسمي بحكومة تأسيس محمد حسن التعايشي في هذا التوقيت مواطني الإقليم من مدينة نيالا ويبشرهم باستعادة الحكم إلى مستحقيه ويعني المتمردين ويعدهم بإنشاء خمس جامعات في الإقليم والحاكم الفعلي للإقليم مني أركو مناوي لم يزر حتى الأبيض أو أي مدينة قريبة من الاقليم الذي يحكمه بل أصبح مشغولاً بالزيارات الخارجية لأوروبا ويفخر بمقابلته لسفيرة النرويج ولقائه بعدد من السفراء والمسؤولين في أمريكا خلال مشاركته الأخيرة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة ولم يحدثنا عن نتائج هذه الجولات الخارجية وأثرها الإيجابي على واقع الحال في اقليم دارفور أو حتى على مسيرة السلام والإستقرار في السودان بل يؤكد في تصريحاته الاخيرة أن أمريكا لم تقف ضد السودان وأن موقف حركته ليس موجهاً ضدها أي أمريكا..مناوي يطلق مثل هذه التصريحات وهو جزء أصيل من قيادة الدولة والواجب عليه أن يعمل ضمن منظومة قيادتها ويلتزم بموجهاتها ويدافع عنها بقناعة وقوة.
*مناسبة حديث اليوم هي تلك التصريحات الأخيرة للقائد مني اركو مناوي حاكم اقليم دارفور والامين السياسي للكتلة الديمقراطية عقب عودته من الخارج في مطار الخرطوم وفي لقاء الأربعاء الماضي وفي الفيديوهات التي تم نشرها علي نطاق واسع والتي يمكن تلخيص اهم ما جاء فيها بأن أزمة السودان هي فوضى دولة للمليشيات..وأضاف لا نريد دولة تدعم المليشيات وسنتمرد على أي دولة تدعم مليشيات الجنجويد أو أي مليشيات تحت أي مسمي وكرر عبارة (تحت أي مسمى) عدة مرات…انتهى.
*لا خلاف حول ضرورة ألا تدعم الدولة أي مليشيات..هذا أمر مطلوب وعلى قيادة الدولة الإلتزام به وبما أنه هو جزء من الدولة كان يجب ان يناقش هذا الأمر مع قيادة الدولة في إجتماعاتهم الراتبة وهذا من حقه..لا أن يطلقه على الهواء بحثاً عن كسب سياسي لحركته.
*أما الإختلاف مع ما ورد في تصريحاته فهو في نقطتين الأولى تعريفه للمليشيات نفسها…فالمليشيا تعرف بأنها هي القوة المتمردة التي تنشأ خارج نطاق مؤسسات الدولة وتقاتل جيش الدولة وبهذا التعريف فقد كانت حركة مناوي نفسها وكل الحركات التي تحمل السلاح تعتبر مليشيات ولكن عندما تعاونت مع القوات المسلحة واصبحت تقاتل معها التمرد باسم المشتركة لم تعد مليشيات…وبالمقابل عندما كان الدعم السريع على ايام الانقاذ وبعد التغيير جزء من الدولة وتحت إشراف جهاز المخابرات العامة وبعدها تحت اشراف قيادة الجيش لم يكن مليشيا ولكنه أصبح مليشيا متمردة بعد أن أشعل الحرب ضد الدولة في أبريل 2023م
*وعندما توالت انتصارات الجيش في المعركة وحدثت الانقسامات لاسباب متعددة وعادت قيادات كتيرة من التمرد واستسلمت للجيش واصبحت تحت رايته فتلك المجموعات والتي ربما يعنيها مناوي أوتلك التي تنادي الآن بتكوين درع الغرب ليعمل تحت إمرة الجيش كما هو حال القوات المشتركة الآن فهي لا توصف بأنها مليشيات وربما تخوف مناوي يأتي من هذا الباب..ويرى أنها تمثل تكتلاً لقبائل عربية في دارفور ناسياً أو متناسياً أن القبيلة التي ينتمي إليها انقسمت إلى أربع حركات تحمل الآن السلاح إثنين منها مع الحكومة وإثنين مع سلطة تأسيس دون ان يحدثنا عن جهودهم في هذا الاتجاه لتوحيد هذه الحركات من اجل مصلحة دارفور والتي كانت نشأتها جميعها من أجلها أو هكذا كانت التصريحات…أو لمصلحة الوطن عموماً
*نقطة الخلاف الثانية في تصريحاته هي تلويحه أو تهديده بالتمرد على الحكومة إن هي ذهبت فيما يراه (فوضى دولة) رغم أن غريزة التمرد أصلاً موجودة لدي القائد مناوي إلا أن تهديده بالتمرد لم يكن مناسباً أو موفقاً بل غير مطلوب من حيث التوقيت أولاً لان إقليمه في حالة إحتلال كامل وثانيا فإن قواته تعمل الآن ضمن القوات المشتركة المساندة للجيش من أجل تحرير البلاد كافة أما تهديده بالتمرد فهو ليس بجديد لأن مسيرته السياسية تقول ذلك فقد تمرد على حكومة الإنقاذ عندما كان كبيرا لمساعدي رئيس الجمهورية ورئيساً لسلطة دارفور الإنتقالية وربما كان تمرده حينئذ لطموحات شخصية اكثر من كونها قضية وطن أو من أجل دارفور ولكن ما كان ممكناً في الماضي ليس بالضرورة ان يكون متاحاً الآن للتمرد للظروف التي تعيشها البلاد الآن وإقليم دارفور ليس إستثناءاً
*ختاماً نقول أنه يجب على رجل الدولة والقائد مناوي الآن وهو ضمن طاقم القيادة ويعتبر مسؤولاً عن أي حديث أو تصرف يصدر عنه لذلك يتعين عليه وعلى غيره ممن هم في وضعه أن يتريثوا قبل اطلاق التصريحات التي تضر ولا تنفع وأن يناقشوا أمور الدولة في الاجتماعات المخصصة لذلك أما التهديدات او الإتهامات التي تطلق على الهواء هكذا فهي مما لا يليق برجل الدولة الذي اقل ما يتوجب عليه هو إحترام المؤسسية والعمل بموجبها.
*كان يمكن ان يكون لحديث القائد مناوي بعداً آخراً ونتائجاً اكثر إيجابية لو بادر هو بإعلان حل حركته ودمجها في القوات المسلحة وفق الترتيبات الأمنية دون غلو أو رفع سقف المطالب كما فعل القائد مالك عقار تأكيداً على رفع راية الوطن على ما عداها من رايات أولاً وإتباع الأقوال بالأفعال ثانياً والتي من شأنها أن تكسب صاحبها ثقة الناس جميعاً حتى الذين يختلفون معه في الرأي..وهذه من صفات القائد الحقيقي ورجل الدولة المسؤول …فهل نتوقع إتخاذ مثل هذه الخطوة قريباً منه ومن كل المنضوين تحت القوات المشتركة؟.