
خلود الكاتب
عماد البشرى
قطعا كل كاتب يعبر عن نفسه أو مساحة الطوق في داخله إلى عوالم راقية التفاصيل والأحداث، ويرسم فيها عالمه الأمثل على الأقل من وجهة نظره هو وحده بلا تزييف أو ادعاء، والكاتب الحقيقي يحلم بخلود فكرته واشاراته الذكية لقضية ما وهنا يبدأ في اتخاذ منحى محدد في الكتابة.
بعض الكتاب يختار المحلية القحة في التوصيف وأخذ النماذج وموتيفات العمل الكتابي وإن كان سياسيا، والبعض الآخر يختار النموذج المتعارف عليه عالميا بما يطلق عليه (الحداثوية)، وآخر يرسم مدرسة هجين بين هذا وذاك ، وكلهم يهدف للخلود.
عندما تقراأ أعمال سياسية لكتاب مثل شريعتي أو مالك بن نبي أو القرضاوي أو ماركس و هيجل تجد المجتمعات الخاصة بكل كاتب موجودة في الفكرة لم تخرج منها، لكنهم بذكاء خرجوا من المحلي الى عوالم العالمي، وهنا الخلود في أن الإنسانية كلها تتشابه وتلتصق، ليست في النص فقط لكن في احتياجات الكائن البشرى مهما اختلفت الألوان واللغات وتمايزت الثروات وحتى الصناعات، لأن الإنسان في كل مكان يبحث عن الحب والأمان والغذاء والكساء والدواء وغيرها مجرد اكسسوارات حضارية مثل الهاتف والسيارة وحتى العيش في القصور ليست مطالب الإنسان السوي، ومن هنا تنبع فكرة خلود الكاتب، فأحدهم مثلا كاتب يساري التوجه يؤمن باشتراكية المجتمع وتوزيع الثروات والحظوظ بالتساوي لذلك تنعدم عنده الرفاهيات بل ويتخذها هزوءا،
كاتب آخر مادي النظرة يحلق بك في أرجاء المدن المصنوعة بدقة لتبهر العيون وتأخذ الألباب، محور أفكاره السيارات والقصور الفخمة والتصييف في شواطي ماربيلا وميامي وحفلات رأس السنة الصاخبة ليعبر عن الفريضة الجديدة (فريضة الاستهلاك) بلا رقيب.
لكن بين كل هذه الأمواج يبقى خلود الكاتب واقعا متى ما خاطب إنسانية ومشاعر القارئ، ورسم له خطوط من أطواق النجاة بقلمه وصدقه وجعل الحبر موسيقى تصويرية حقيقية ليسبح فيها المتلقي بلا خوف من توترات الأيام، وهنا تبرز وتتخلق الأعمال الخالدة لكل كاتب وايضا لكل قارئ حصيف، لن تنساها الأيام ولا تمحوها السنون، فأي أعمال خلدت عندك عزيزي القارئ وأي الحكايات لم تنساها وأي الأفكار تشغل بالك؟، ومن من الكتاب عبر عنك ومازال والأهم من ذلك من أنت بين القراء؟ وهل أنت تقرأ وأنت صادق في القراءة أم تظن أن الصدق فقط في الكتابة ؟