قرار الخارجية بالإبقاء على قنصلية دبي.. إجراء طبيعي أم تراجع عن المقاطعة؟
تقرير-الطيب عباس
يمثل قطع العلاقات الدبلوماسية بين بلدين، آخر حل سلمي تلجأ له الدول المتخاصمة، وفي الوقت ذاته هو أول شرارة الحرب بينهما، ولا تلجأ الدول في العادة لقطع العلاقات الدبلوماسية إلا في حالات الإعتداء المباشر من دولة أو إعتداء غير مباشر بتسليح دولة ما لفصيل يقاتل دولة أخرى، وفي حالة السودان، فإن الإمارات قاتلت بشكل غير مباشر من خلال دعم مليشيات حميدتي لمدة عامين كاملين ومن ثم تحول لإعتداء مباشر من خلال قصف مسيراتها لأهداف داخل الأراضي السودانية.
بالفرحة نفسها، التي استقبل بها السودانيين قرار قطع العلاقات مع الإمارات، أبدوا استئياهم من قرار وزارة الخارجية السودانية، استمرار عمل القنصلية السودانية في دبي، وعداه البعض انتكاسة ومحاولة للتراجع عن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية، لكن هل الأمر بهذه الكيفية؟
وفقا لاتفاقية فينا، فإن قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول لا يعني بالضرورة قطع العلاقات القنصلية، إلا إذا شملها قرار المقاطعة لفظا، ووفق الاتفاقية فإن القطيعة الدبلوماسية لا تعني قطع العلاقات القنصلية بالضرورة، فأحيانا تبقى العلاقات القنصلية قائمة رغم القطيعة الدبلوماسية، لكن اتفاقية فينا تشير إلى أنه في حال قررت دولة ما قطع علاقاتها القنصلية مع دولة أخرى، فإنها في هذه الحالة يمكن أن تسند مصالح رعاياها لدولة ثالثة.
وحسب اتفاقية فينا، فإن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية متعلق فقط بالسفارات، حيث لا يشمل القنصليات كما لا يشمل منع سفر المواطنين للدولة المعنية إلا إذا صدر قرار سيادي بهذا الشأن.
خيارات بديلة:

قال أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، دكتور محمد عمر، إن قرار وزارة الخارجية السودانية الإبقاء على قنصليتها في دبي، لا يعني بأي حال تراجع الحكومة السودانية عن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية، حيث أن الإبقاء على القنصلية في دبي كان بهدف خدمة نحو 500 ألف سوداني في الإمارات، بحاجة لتجديد الجوازات والتأشيرات وعقود الزواج، وهى قضايا مدنية من اختصاص القنصليات، بخلاف السفارات التي تعنى بعلاقات الدول السياسية والاقتصادية والأمنية.
وأوضح دكتور عمر، أن الخارجية السودانية لجأت لهذا الحل لتجنب خيارات صعبة، أبرزها الاتفاق مع قنصلية دولة صديقة كمصر أو قطر للقيام برعاية مواطنيها في الإمارات وتقديم الخدمات القنصلية لهم، أو اللجوء للخيار الأخر من خلال تحويل الخدمات القنصلية للسودانيين في الإمارات للقنصليات السودانية في دول الجوار الإماراتي، (قطر أو سلطنة عمان أو السعودية) مثلا، معتبرا أن الخارجية السودانية اختارت الإبقاء على قنصليتها في دبي مستفيدة من الوضع الاستثنائي للعمل القنصلي المنفصل بشكل كامل عن العمل الدبلوماسي بدلا عن اللجوء للخيارات الأخرى.
أمثلة مشابهة:
الشواهد تقول أن الخارجية السودانية لم تأتي بفعل شاذ في العلاقات الدولية، حيث شهدت المنطقة العربية حوادث مماثلة لدول قطعت علاقاتها مع دول أخرى دون المساس بالعمل القنصلي، ففي عام 1978 قطعت معظم الدول العربية علاقاتها الدبلوماسية مع جمهورية مصر العربية وسحبت سفرائها من القاهرة وطردت السفراء المصريين في الدول العربية، بسبب اتفاقية كامب ديفيد وزيارة الرئيس المصري أنور السادات لإسرائيل
ورغم المقاطعة العربية الدبلوماسية لمصر في قمة بغداد، فإن هذا القرار العربي الذي تم توقيعه يوم 5 نوفمبر من سنة 1978 ركزت الفقرة الثانية منه على أن هذه القرارات يجب أن تأخذ بالاعتبار استمرار التعامل مع شعب مصر العربي الشقيق ومع أفراده، بما في ذلك بقاء القنصليات المصرية في الدول العربية لخدمة المغتربين المصريين.
بعد ذلك بسنوات، في أغسطس 2021، قررت الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المملكة المغربية، وقال وزير الخارجية الجزائري، وقتها رمطان لعمامرة أن بلاده قررت قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، بسبب ما وصفها بـ(أفعال عدائية متواصلة) من المغرب ضد الجزائر، وأضاف أن قطع العلاقات الدبلوماسية لا يعني بأي شكل من الأشكال أن يتضرر المواطنون الجزائريون المقيمون بالمغرب والمغاربة المقيمون بالجزائر من هذا القرار وأضاف :القرار لن تتأثر به الأعمال القنصلية في البلدين.
ما سبق يعتبره مراقبون شواهد تعضد موقف الخارجية السودانية في قرارها بالإبقاء على قنصليتها في دبي لخدمة السودانيين هناك.
لا تضارب:
يؤكد مراقبون عدم وجود تضارب بين قرار الخارجية باستمرار عمل قنصلية دبي وقرار مجلس الأمن والدفاع والذي اشتمل على عبارة سحب السفارة السودانية والقنصلية العامة، حيث ثمة اختلاف كبير بين القنصلية العامة وقنصلية فرعية، وتعتبر القنصلية العامة التي يمثلها القنصل العام على الجانب الآخر امتدادا للسفارات، وتتواجد القنصلية العامة عادة في عواصم الدول، حرصا منها لتخفيف أعباء السفر والتنقل عن مواطنيها، بينما القنصلية تكون بمثابة بعثة أصغر، تركز على الخدمات القنصلية مثل إصدار التأشيرات، تجديد الجوازات، وتصديق الأوراق الرسمية، وعقود الزواج وغيرها، وعادة تكون في المدن الأخرى خلاف العاصمة.
ومن هذا الزاوية يرى مراقبون أن قرار الإبقاء على قنصلية السودان في دبي لخدمة السودانيين، قرارا صحيحا ولا يتعارض مطلقا مع قرار قطع العلاقات الدبلوماسية ولا مع عبارة سحب القنصلية العامة، حيث لم يعد القنصل العام السوداني موجودا بالإمارات، ويدير القنصلية في دبي موظفو خدمة مدنية لتسهيل إجراءات السودانيين هناك.