زواج السودانيين النازحين بمصر من مصريات.. ظاهرة تحت المجهر..(1):
- 145 نازح سوداني تزوجوا مصريات و115 سودانيات تزوجن مصريين العام الماضي
- النازحة (هـ): تزوجت شاب مصري من الصعيد عن إقتناع
- النازح (م): أكرمني الله مصرية متدنية عوضتني عن زوجتي السودانية المتوفاة
- جهاز الإحصاء المصري: الرقم يعد الأعلى من نوعه مؤخرا لتزايد أعداد السودانيين الوافدين لمصر بسبب الحرب
تحقيق ــ التاج عثمان
الزواج المختلط بين السودانيين والمصرين مستمر منذ سنوات طويلة لخصوصية العلاقة بين الشعبين السوداني والمصري.. ولكن بعد الحرب التي إندلعت في السودان ونزوح ملايين السودانيين لوطنهم الثاني مصر يلاحظ ارتفاع وتيرة حالات الزواج لسودانيين من مصريات وأيضا زواج مصريات من سودانيين.. فما هي أسباب زواج النازحين السودانيين من مصريات؟.. وهل هناك تحديات تواجه مستقبل مثل هذا الزواج خاصة بعد إنجاب أبناء؟.. وهل تقبل الزوجة المصرية العيش مع زوجها السوداني داخل وطنه السودان بعد إنتهاء الحرب؟.. وما طبيعة الإجراءات الرسمية المصرية المتعلقة بالزواج المختلط؟.. وهل هناك شروط تفرضها الأسر المصرية على السوداني الذي يرغب في الإقتران بإبنتهم المصرية؟.. التحقيق التالي يسلط الضوء على هذه الظاهرة الاجتماعية عابرة الحدود من خلال هذا التحقيق الصحفي
زواج سوداني من مصرية:
(م) سوداني متوسط العمر ناهز عمره الخمسين عاما، زوجته متوفاة ولديه منها إبن وحيد يعمل بالسعودية.. بعد الحرب نزح لمصر وإستقر لوحدة في شقة على البلاط ــ كما يقول أشقائنا المصريين ــ بمنطقة الفيصل محافظة الجيزة.. حكى لي سبب زواجه من مصرية بقوله:
“بعد وفاة زوجتي السودانية وإغتراب إبني الوحيد بالمملكة العربية السعودية وعقب إندلاع الحرب في السودان نزحت للشقيقة مصر، كنت أقيم وحيدا في شقة بالفيصل، وكثيرا ما كان إبني يطلب مني الزواج مرة أخرى وان بقائي وحيدا في الشقة ليس من مصلحتي وهو لا يطمئن علي وانا في مثل هذا العمر المتقدم.. ورغم أنني كنت لا أفكر في الزواج مرة ثانية بعد وفاة زوجتي السودانية، رحمها الله رحمة واسعة، إلا أن بقائي في شقة لوحدي مع الهواجس التي كانت تنتابني بسبب الحرب وما الحقته من دمار بالسودان جعلني اتنازل عن ذلك، خاصة مع إلحاح إبني الوحيد بضرورة زواجي وتهديده لي أنني إذا لم اتزوج فسوف يترك العمل بالسعودية ويأتي ليستقر معي بالقاهرة مصرا على عدم العيش لوحدي في بلد الغربة مصر رغم المعاملة الطيبة التي كنت اجدها من المصريين الذين تعرفت بهم بمنطقة الفيصل.
ولأن صورة زوجتي السودانية المتوفاة لم تفارق ذهني وخيالي، ونزولا لرغبة وإلحاح إبني بضرورة زواجي قررت الزواج مرة ثانية لكن من مصرية.. وافصحت عن رغبتي هذه لأحد أصدقائي المصريين والذي توطدت علاقتي به داخل مسجد الحارة حيث كنا نؤدي معا الصلوات بالمسجد، فأختار لي إمرأة مصرية أرملة ليس لديها أبناء، وكانت ذات خلق ودين، كثيرة التردد للصلاة وترتيل القرآن الكريم بنفس المسجد الذي تعودت الصلاة فيه مع صديقي المصري، وحقيقة أعجبت بها وبتدينها وبأخلاقها الرفيعة.. فصارحتها بمساعدة صديقي المصري رغبتي في الزواج بها على سنة الله ورسوله، فأبدت موافقتها وطلبت مني مقابلة عمها حيث ان زوجها متوفى.. وكان صديقي عمليا إذ قادني مساء نفس اليوم عقب صلاة العشاء لمنزل أسرتها وقابلنا عمها طالبا الزواج منها.. وبعد جلسة ودودة قضيناها معه سأل خلالها عن أحوالي، وأين سيكون بيت الزوجية، ومصدر دخلي، فأجبته أنني بالمعاش ولدي عدد من المنازل المؤجرة والتي تدر علي دخلا محترما بجانب مساعدة إبني الوحيد لي والذي يعمل مهندسا بالمملكة العربية السعودية.. بعدها قال انه لا مانع لديه من الزواج بشرط سؤال إبنة أخيه عن رأيها ولما سألها أمامنا مباشرة أبدت له موافقتها على الزواج بي.. ثم سألها:”السوداني سوف يعود لبلده السودان بعد إنتهاء الحرب فهل أنتي مستعدة للعيش معه بالسودان؟، فابدت له موافقتها.. ومن ثم تم عقد القران والان نعيش معا في نفس الشقة بالفيصل والتي كنت أعاني فيها من الوحدة والعزلة، وحقيقة أكرمني الله بهذه الزوجة المصرية المتدينة المطيعة لي.. فالشكر لله ولابني لإصراره المتواصل على زواجي، والذي وصل من السعودية خصيصا لحضور حفل الزواج المتواضع الذي اقمناه وكان أكثر الحضور سعادة بزواجي”.
حكاية السودانية (هـ):

(هـ) سودانية، جميلة الوجه، خريجة ثانوي، في بداية الثلاثينات، تعمل موظفة بإحدى المستشفيات بمدينة امدرمان، نزحت لمصر مع أسرتها المكونة من والدها وزوجته مع بدايات الحرب في السودان، حكت لي قصتها وملابسات زواجها من مصري، بقولها:
” بعد النزوح من السودان كنا نقيم بمنطقة عين شمس في شقة صغيرة مكونة من غرفتين وصالة صغيرة، لم أتصور أن قسمتي في الزواج ستكون مع مصري.. كنت أتردد على بقالة قرب منطقتنا السكنية وكان صاحب المتجر شاب من صعيد مصر يتميز بخلق رفيع ومعاملة طيبة مع السودانيين الذي يقطنون بمنطقة عين شمس.. وبعد ترددي على متجره عدة مرات لشراء بعض حاجياتنا اليومية فوجئت به يطلب الزواج مني على سنة الله ورسوله، وكان في منتهى الصراحة معي، أخبرني أنه متزوج من إبنة عمه وتقيم بقريتهم بصعيد مصر، ورزقه الله منها بولد وبنت.. فسألته لماذا يرغب في الزواج بي بالذات والسودانيات بمصر كثيرات من النازحات؟.. أجاب:”حقيقة جذبتني شخصيتك القوية وجمالك الهادئ وحسن أدبك وتدينك”.. فطلبت منه منحي مهلة أفكر فيها.. وحقيقة الشاب المصري مهذب ومتدين وهو يشبه في تعامله وأخلاقه السودانيين تماما.. حقيقة إنجذبت له ولم أجد مانع من الزواج به خاصة أنني سبق ان قررت بعد طلاقي من زوجي الأول عدم خوض تجربة الزواج مرة أخرى بعد إكتشافي ان زوجي الأول شخص غير مسؤول وبخيل ولا ينجب، حيث قضيت معه حوالى السنتين ولم يرزقنا الله بالذرية، وإكتشف الأطباء انه لا ينجب.. وقبل الحرب بشهور قليلة تم الطلاق بيننا، ومع بدايات الحرب نزحت لمصر مع ابي وزوجته وشقيقتي وابنائها الثلاثة.
حقيقة بعد طلب المصري الزواج بي لم أتردد بعد ان تعرفت على كريم خصاله وحسن أخلاقه وتعاملة الراقي مع السودانيين والسودانيات النازحين لمصر.. فاخبرت ابي، ومبدئيا لم يرفض ولم يوافق، فطلب منه الحضور لمقابلته بشقتنا.. فحضر وكرر طلبه بالزواج بي على سنة الله ورسوله لوالدي.. ولم يكتفي والدي بذلك بل سأل عنه أهله وجيرانه فقالوا عنه كل خير، فهو شاب عصامي يعمل بالتجارة منذ صغره وكون ثروة من عمله تكفيه الزواج بزوجة ثانية.. وبعد ان تعرفت أسرتي على أصله وفصله وافقت على طلبه.. وبعد أيام قلائل أحضر الشيلة ومبلغ كبير من المال، لم يحوجنا لأي شيء، وأقمنا عقد زواج متواضع دعونا له معارفنا وأهلنا بالقاهرة وإنتقلت للعيش معه بقريته بضواحي حلوان حيث تعيش زوجته الأولى بمنزل آخر مع أطفالها.. وحقيقة كانت تعاملني بلطف لم أكن أتوقعه لدرجة اننا اصبحنا صديقات.. والحمد لله كان زواجي بالشاب المصري ناجحا عوضني عن زواجي الأول من السوداني.. ومؤخرا رزقنا الله تعالى بطفلة والحمد والشكر لله”.
الإحصاء المركزي:

حسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، تم تسجيل 260 حالة زواج مختلط بين مواطنين مصريين وسودانيين خلال عام 2024، منها 145 زيجة لسودانيين من مصريات، و115 زيجة لسودانيات تزوجن من مواطنين مصريين.. وعلق تقرير الإحصاء المصري على أرقام الزيجات المذكورة بقوله:
“يعد الرقم الأعلى من نوعه في السنوات الأخيرة ويرتبط بشكل مباشر بتزايد أعداد السودانيين الوافدين لمصر هربا من حرب السودان منذ منتصف ابريل 2023 والتي تسببت في نزوح ولجوء ملايين السودانيين على دول الجوار وعلى رأسها مصر”.
غير ان بعض النازحين السودانيين من المتابعين لحالات زيجات السودانيين من مصريات أكدوا للصحيفة أن الرقم أكبر من ذلك بكثير، لوجود زيجات غير مسجلة رسميا، او في طريقها للتسجيل، حيث ان القانون المصري في حالة زواج أجنبي من مصرية يمر بمراحل عديدة لا بد منها حتى يتم توثيق قسيمة الزواج لدى الجهات المصرية والسودانية ذات الصلة، وهذا الأمر سوف نتناوله بالتفصيل من خلال الحلقات القادمة.
نواصل