آخر الأخبار

عاصمة ولاية سنار بدون كهرباء ومياه لشهرين.. ما الأسباب؟ (1)

  • سنجة.. عذاب الكهرباء وكابوس المياه
  • الكهرباء ليست (رفاهية) بل (حياة) ترتبط بأرزاق آلاف الأسر
  • أرحموا أطفال سنجة فإنهم يصرخون طيلة الليل ولا ينامون لإنعدام الكهرباء
  • (12) ألف جنيه لبرميل المياه.. وأسعار ملياريه لمنظومة الطاقة الشمسية

تحقيق ــ التاج عثمان:
رسائل غاضبة إنهالت على الصحيفة من مواطني مدينة سنجة عاصمة ولاية سنار تحمل في طياتها صوت لوم وعتاب للإعلام لتجاهله إنقطاع الكهرباء والمياه عن المدينة ما جعلها تعيش في ظلام حالك لأكثر من شهرين كاملين وسط صمت مطبق من الجهات المسؤولة بالولاية وتجاهل إدارتي الكهرباء والمياه بعاصمة الولاية للمواطنين بعدم تبصيرهم بالأسباب على الأقل.. من جانبي حاولت التواصل مع بعض مسؤولي الكهرباء والمياه بالولاية لتوضيح أسباب الخلل الذي إستمر طويلا لكنني لم اوفق.. من خلال هذا التحقيق في حلقته الأولى إستطلعنا شريحة عشوائية من مواطني ومواطنات سنجه للتحدث عن معاناتهم وتفاصيل قطوعات الكهرباء والتي وصلت لحد العذاب وشح المياه التي تحولت لكابوس.. وما باحوا به للصحيفة يحمل في مجمله رسائل عاجلة للجهاز التنفيذي بالولاية والمحلية وللمسؤولين عن هاذين الجهازين المهمين.. ونتمنى ان تجد حظها من التعقيب والتوضيح ووضع النقاط على الحروف وصفحات (أصداء سودانية) مشرعة لهم.
لغز الكهرباء:
أحد أعيان مدينة سنجة المشهورين، (م)، تحدث لي بنبرة لا تخلو من الغضب الإنفعالي ما يشي بمدى فداحة المشكلة وجسامتها، قال:
حقيقة أمر الكهرباء مزعج وتحول إلى لغز يحتاج لمن يفك طلاسمه.. مواطنو الولاية يدفعون ويدفعون مختلف الرسوم ولكن الخدمات (صفرية).. لا كهرباء، لا مياه، لا شوارع، فالمواطن، صراحة، ليس من أولويات حكومة ولاية سنار، ولا أحد يسال عن أحواله.. كل حكومات العالم تعمل لمصلحة مواطنيها وتقديم الخدمات له، ومعالجة السلبيات وتذليل العقبات، وتهيئ لهم ظروف الحياة الملائمة لهم كبشر، وتعينهم على تعليم أطفالهم وعلاجهم، لكن لدينا خدمة إنسان الولاية يأتي في ذيل قائمة الإهتمامات، بل الاهتمام فقط بأمور انصرافيه ليست من أولويات المواطنين الغلابى.
الأطفال والبعوض:


ويواصل المواطن (م) تشخيصه لحال الكهرباء بمدينة سنجه التي يعاني منها كل سكان عاصمة الولاية بأحيائها المختلفة، بقوله: ” الكهرباء ليست (رفاهية) بل (حياة) لكونها ترتبط بحياة الناس إرتباطا وثيقا، ولا ابالغ لو قلت إنها واحدة من الخدمات المنقذة للحياة بالنسبة للمرضى الذين يعدون أكثر الفئات تضررا وعذابا من إنعدام الكهرباء.. الكهرباء ضرورية للتواصل الإجتماعي والاقتصادي بين الأسر داخل وخارج السودان عبر الموبايل، ولكن أين هي الكهرباء؟.. الكهرباء أيها المسؤولون ترتبط بأرزاق الأسر، فهناك أسر تعمل في بيع الثلج والآيسكريم ومن دخله يطعمون أطفالهم ويعالجوهم عند مرضهم وينفقون على تعليمهم.. حرفيون من نجارين وحدادين وأصحاب مخارط وورش ولديهم عمال يعملون معهم معيشتهم تتوقف على الورش، ولكن أين هي الكهرباء؟.. أطفالنا أصبحوا يصرخون طيلة الليل فلا ينامون بسبب لسعات البعوض التي تبتلي به كل محليات الولاية، ولكن أين هي الكهرباء التي تدير المراوح طاردة البعوض بعد أن فشلت المبيدات في قهرها وهزيمتها وأصبحت الملاريا هما مشتركا وهاجسا مؤلما لكل سكان الولاية؟ حتى النواميس التي يقولون إنها ستغطي كل الأسر تم توزيعا بمعدل ناموسيتين فقط للأسرة حتى ولو كان عدد أفراد الأسرة 12 فردا، وانا شاهد على ذلك.
الكهرباء يا (حضرات المسؤولين) ترتبط بمدينة سنجة حاضرة الولاية بالكهرباء لتشغيل محطة مياه 14 والتي ظلت لا تعمل منذ فترة بسبب إنعدام الكهرباء اللازمة لإداراتها وضخ المياه في بعض أجزاء شبكة المدينة العطشى وليس جميعها.. ولذلك المواطن القادر يشتري كل يومين برميل مياه بمبلغ 12 ألف جنيه، اما المواطن (الغلبان) فله الله عليه ركوب الصعاب والتوجه للنيل الأزرق لجلب المياه منه بالباقات المحمولة على الأكتاف او الدرداقات، معاناة قاسية ومؤلمة ما بعدها معاناة.. وبعض المواطنين من الذين رزقهم الله ببسط من مال إستعانوا بالطاقة الشمسية والتي وصل سعرها لمليارات الجنيهات.. قد أكون واحدا منهم أدخلت منظومة طاقة شمسية لمنزلي لكنني لم أضيئ أي لمبة داخل المنزل سوى الإضاءة التي تحتاج لها زوجتي المريضة ــ شفاها الله ــ او لتشغيل الثلاجة لحفظ الأنسولين الذي تعاني منه، لا أضيئ منزلي إحتراما لشعور جيراني الذين لا تمكنهم ظروفهم شراء ولو لوح طاقة شمسية واحد.
قبل حوالي الإسبوع حضر بعض الأشخاص يطلبون مني تبرعا لعمال وفنيي الكهرباء الذين كانوا يعملون في إصلاح وتربيط أسلاك شبكة كهرباء المدينة التي عاث فيها المليشيا دمارا وتخريبا، وذلك لتكريمهم وتقديم نوع من الدعم المالي لهم، فتبرعت لهم بمبلغ مقدر من المال، وعندما سألتهم: (ومتى سيعود التيار الكهربائي لأحياء مدينة سنجة المظلمة؟).. أجابوا وبصوت واحد إجابة مستعجلة تحمل في طياتها المزيد من الإحباط: “لا نعلم”.. فقلت لهم: (إذا كنتم لا تعلمون متى ستعود لنا الكهرباء فمن يعلم إذن؟).
يأس وإحباط:
ويواصل المواطن (م) حديثه الذي تتخلله زفرات الآسى والزهج موجها حديثة لمسؤولي الولاية: “أيها السادة المسؤولون بولاية سنار، عاصمة الولاية سنجة إستهدفتها المسيرات (نعم)، وتسببت في خسائر كهربائية كبيرة (نعم)، وظلت بدون كهرباء لأكثر من شهرين (نعم)، بينما هناك مدن أخرى ببعض الولايات إستهدفت المسيرات محولاتها ومحطاتها الكهربائية فهل إنعدما فيه الكهرباء؟ (لا) لأن حكوماتها إمتصت ما أحدثته المسيرات في منظومتها الكهربائية وحشدت جهودها وإمكانياتها وقامت بمعالجة الأضرار التي لحقت بمحولاتها بالسرعة المطلوبة، والان ينعم مواطنيها بتيار كهربائي منتظم ومستقر، فلماذا سنجه إطفاء كهربائي شبه كامل وأحيانا يتفضلون عليها بالكهرباء لثلاث ساعات فقط في اليوم واحيانا لا كهرباء أصلا.. وما يحز في نفوسنا عدم وجود أي مسؤول بالحكومة او إدارة الكهرباء يجيب على شكاوى وإستفسارات المواطنين ويوضح لهم الأسباب لدرجة ان كهرباء سنجة أصبحت لغزا محيرا.. ومن شدة تجاهل المسؤولين عن إستفسارات المواطنين أصيب مواطني سنجه بحالة من اليأس التام بعودة التيار الكهربائي لمدينتهم المظلمة ليلا والعطشى نهارا، ولا مبالغة ان كبار السن أصبحوا لا يؤدون صلاة المغرب والعشاء والصبح إلا أيام معدودات من الشهر بسبب الظلام اللهم إلا عند بزوغ القمر ليستعينوا بإضاءته الربانية حتى تعينهم على تلمس طريقهم من منازلهم السابحة في الظلام إلى بيوت الله لكي لا يتعثروا ويسقطوا في الحفر التي أصبحت تمتلئي بها شوارع عاصمة الولاية سنجه والتي صراحة أصبحت مجرد قرية كبيرة بعد ان عادت إلى الوراء أكثر من 70 عاما.. لا كهرباء، لا مياه، لا شوارع، لا بيئة، لا صحة، لا أي شيء، فالخدمات في سنجة أصبحت حالة صفرية.
شماعة الحرب:
ربة منزل قالت لي بإنفعال واضح: الرسميون في تصريحاتهم دائما يتخذون من الحرب شماعة لتبرير إخفاقاتهم، يرمون باللوم على مسيرات المليشيا المتمردة التي ضربت بعض المحولات يوم الجمعة ومنها المحول الرئيسي، فقطعت الكهرباء لمدة 15 يوما عاشتها كل مدينة سنجة في ظلام دامس لا يطاق، تحملها سكان المدينة الغارقة في الظلام عن طيب خاطر إذعانا لوعود المسؤولين بأن الكهرباء ستعود خلال إسبوعين بمعالجتها من كهرباء مينا الواقعة بالضفة الشرقية للنيل الأزرق، ولكن هيهات كانت مجرد وعود زائفة، لم يعد التيار الكهربائي إلى أحياء المدينة سوى عبر البرمجة بمعدل 8 ساعات في اليوم للأحياء غرب الظلط ومثلها للأحياء شرق الظلط حتى يتم إصلاح المحول خلال أيام معدودات حسب وعدهم، بعدها تقلصت البرمجة لساعات اقل ثم إنعدمت تماما.. وتمر الأيام وسنجه غارقة في ظلام دامس، وعند السؤال يقولون: نحن في إنتظار المحول.. وبعد وصول المحول أيضا يظل الحال كما هو، وعندما نسال يجيبون:”نحن في إنتظار زيت المحول”.. لكن تمر الأيام والأسابيع والشهور وتظل سنجه غارقة في ظلام دامس.. بل أن البرمجة إمتدت وطالت فأصبحوا يقطعون الكهرباء 24 ساعة كاملة ومتواصلة، وبعد إحتجاج المواطنين أعادوا البرمجة لنظام 8 ساعات، ينعمون على الأحياء بها من السابعة صباحا وحتى الثانية، تقلصت لثلاث ساعات في اليوم، ثم لساعتين فقط، بعدها إنقطعت تماما لا برمجة ولا يحزنون.. بهدلة بهدله لا يعلم مداها أحد من المسؤولين، وعندما تسألهم متى تعود الكهرباء وتنتظم وتستقر يجيبون بسخرية: إنتو ما جايبين خبر، وعندما نستفسرهم عما هو الأمر الذي ما جايبين خبرو، يلوذون بصمت خجول!.. مستقبل أبنائنا الأكاديمي يا مسؤولي ولاية سنار أصبح على المحك، بل في خطر بسبب إنعدام الكهرباء، بينما الإعلام الولائي الذي يفترض منه عكس هموم سكان الولاية (المهملة)، مشغول باشياء أخرى لا تهم المواطن في شيئ.
نواصل.