آخر الأخبار

على خلفية تصريحات ياسر العطا… التسريح وإعادة الدمج

  • لأكثر من 50عاما تجارب السودان كلها فاشلة
  • في اتفاقية أديس أبابا للسلام 1972م استيعاب الانانيا في الجيش ضرره كان أكثر من نفعه
  • بروز ظاهرة الجيوش الموازية كان نتيجة حتمية لعسكرة المجتمعات وتسليح المجموعات السكانية
  • ابقاء القوات في أماكنها وتحت إمرة قيادتها فرخ ظاهرة (فاولينو متيب) بعد انفاذ اتفاقية الخرطوم للسلام 1998م

تقرير – دكتور إبراهيم حسن ذو النون:
التصريحات التي أدلى بها الفريق أول ركن ياسر العطا عضو مجلس السيادة الانتقالي مساعد القائد
للقوات المسلحة الخاصة باتجاه الحكومة السودانية نحو خطوة تسريح وإعادة دمج
كل القوات الموجودة الآن على الساحة السودانية سواء كانت ضمن حركات الكفاح المسلح والتي دخلت منظومة السلام أو تلك التي تساند الجيش
في معركة الكرامة الماثلة الآن ولكنها تتخذ الطابع غير الرسمي من خلال توصيفها وتصنيفها بأنها
صديقة أو فلنكن أكثر دقة بأنها تمثل شكلا من أشكال المليشيا الصديقة
استدراك أخطاء تاريخية:
وقد وصف مراقبون هذه الخطوة بأنها صحيحة وجاءت في وقتها باعتبار أنها تعزز الاتجاه نحو تشكيل جيش وطني واحد بعقيدة وطنية تستوعب حالة التنوع والتعدد التي يحظى بها السودان.. واعتبرها مراقبون آخرون ذوي صلة بملف الحرب والسلام في البلاد ان هذه الخطوة تمثل استدراكا لاخطاء تاريخية لازمت بلا استثناء كل اتفاقيات السلام المتعاقبة لمايزيد عن خمسين عاما والتي صنفت بأنها تجارب فاشلة برغم بعض الاشراقات في بعضها ولكن توصيف الفشل لازمها لانها لم تصل الى النهايات المرتجاة وانهارت في منتصف الطريق.
وتقدم (أصداء سودانية) من خلال هذا التقريرتقييما موضوعيا لكل اتفاقيات السودان منذ العام 1972م(اتفاقية أديس أبابا للسلام ) واتفاقية الخرطوم للسلام 1998م واتفاقيتي السلام في ابوجا2006 م والدوحة2011م واتفاقية السلام بجوبا 2020م وربما يتساءل القارئ المتابع لماذا لم اشر إلى اتفاقية السلام السودانية 1988م الموقعة بين الحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة مولانا محمد عثمان الميرغني والحركة الشعبية بقيادة الدكتورجون قرنق واتفاقية السلام السودانية 2005م فالأولى لم يكتب لها التنفيذ نتيجة تغير نظام الحكم بقيام حركة 30يونيو 1989م والتي دخلت في جولات تفاوض مع الحركة انتهت باتفاقية 2005م والتي تعمدت عدم الاشارة إليها لأنها لم تشهد عمليات تسريح أو إعادة دمج نتيجة انفصال جنوب السودان في دولة مستقلة ذات سيادة وتحول الجيش الشعبي إلى الجيش الوطني الجنوب سوداني أما الحركة الشعبية شمال والتي من المفترض ادماج قواتها في الجيش أو تسريح وفق المتبع الآن هذه الحركة والتي انشطرت لاحقا لعدة
حركات قد اثرت العودة للتمرد ثانية بالتزامن مع انفصال جنوب السودان.
أديس أبابا 1972م:


صحيح ان اتفاقية اديس ابابا للسلام التي وقعها الرئيس الراحل جعفر محمد نميري في العام 1972مع حركة الانانيا قد حققت نجاحا نسبيا إلا أن استيعاب قوات الانانيا في القوات المسلحة والقوات النظامية الاخرى (الشرطة – شرطة السجون – شرطة المرور- شرطة حرس الصيد) قد كشف عددا من السلبيات مما جعل المراقبين المهتمين بملف الحرب و السلام يصفون عملية استيعاب قوات الانانيا في القوات المسلحة والقوات النظامية الاخري بأن ضررها كان اكثر من نفعها حيث افرزت عملية الاستيعاب عدة سلبيات يمكن ايجازها في الآتي:
– عدم التجانس العسكري :دمج قوات مقاتلي حرب عصابات ذات عقيدة قتالية مختلفة مع جيش احترافي نظامي أدى إلى خلق فجوات في الانضباط (الضبط والربط)والتدريب العسكري.
– خلق جيش داخل الجيش أو بعبارة أدق اصبحت القوات المستوعبة والمدمجة داخل الجيش تشكل جيشا موازيا للجيش وقد مثلت هذه الخطوة في إعادة تدوير الحرب مجددا بعد احد عشر عاما من التوقف.
– عدم الثقة المتبادلة وقد أدى إلى حالة من الشك المتبادل تحول في النهاية إلى عدائيات مستمرة وان اتخذت طابعا شخصيا وقد أدى ذلك لتراكمات ومشاكل بالاضافة لاسباب أخرى انتهت إلى التمرد الجديد بقيادة الدكتور جون قرنق في العام 1983م.
فاولينو متيب وأخطاء عدم الدمج:


بدأ واضحا أن فريقي التفاوض بين الحكومة السودانية و مجموعة الدكتور رياك مشاربالحركة الشعبية لتحرير السودان الموقعان على اتفاقية الخرطوم للسلام التي تم التوقيع عليها في العام 1998م قد تحاشيا الوقوع في تجربة 1972م ووقعا في خطأ جديد ايضا خلف تعقيدات جديدة حيث تم النص على نص (مفخخ) رتب الكثير من الآثار السالبة (ان تبقى القوات في اماكنها وتحت إمرة قيادتها ) ووضح جليا ومنذ الاشهر الأولى للتطبيق خطورة هذه الخطوة والتي كلفت البلاد الكثير من الدماء الغالية نتيجة هذا النص ولعل المثال الحي هو استقواء قوات القائد فاولينو متيب بهذا النص حيث اصبحت مصدر ازعاج مستمر للسلطات الامنية والشرطية في بعض احياء العاصمة التحادية وقد شبلغت قمة الفوضي ان القوات التي تعمل في حراسة منزله الخاص باسرته كانت هي الأخرى مبعثا للمشاكل والتوترات مع جيرانه من سكان الحي بل حتى العابرين بمنزله وقد صار الامر مقلقا ليس للسلطات المحلية والولائية بالخرطوم فحسب بل حتى للحكومة الاتحادية مما اسهم في توتر العلاقة بين طرفي الاتفاقية نتيجة لذلك النص (المفخخ) الذي فرخ الكثير من الظواهر التي تعكس الهشاشة الامنية والتي خلفت ظواهر كثيرة من بينها حالات مماثلة لظاهرة قوات القائد فاولينو متيب ويبدو ان آثار دمج قوات الانانيا في القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى قد اضطر طرفي التفاوض في اتفاقية الخرطوم للسلام لاقرار هذا النص المعيب.
ابوجا والدوحة ترتيبات لم تكتمل:
الشاهد أن اتفاقيتي ابوجا 2006م والدوحة 2011م لسلام دارفور لم تتم لهما ترتيبات امنية رغم البدء في شروع تنفيذ بنود الاتفاقتين الاخريين كتعيين موقعي الاتفاقيتين في المناصب الدستورية على المستوى الاتحادي وتشكيل المفوضيات الخاصة باراضي دارفور والسلم والمصالحات والعدالة الانتقالية إلا أن الترتيبات الأمنية من ترتيبات التسريح الاستيعاب واعادة الدمج لم تتم لتلكؤ الاطراف في اتمامها لاسباب تتعلق ببعض تفاصيل وتعقيدات لم يحن الوقت لذكرها.
جوبا والسلام المنقوص:


اما اتفاقية السلام الموقعة في اكتوبر 2020م بين الحكومة السودانية وحركات الكفاح المسلح والتي لم تشرع في البدء في الترتيبات الأمنية والتي من بينها التسريح والاستيعاب وإعادة الدمج لم تكتمل نتيجة الأحداث التي تلت عملية تصحيح المسار التي قام بها القائد العام للقوات المسلحة في في 25 أكتوبر2021م والتي انتهت بخروج المكون المدني بقيادة الدكتور عبدالله آدم حمدوك رئيس الوزراء المستقيل من العملية الانتقالية ثم دخول البلاد في أزمة الإتفاق الإطاري في جزئية هيكلة القوات النظامية وإعادة تشكيل الجيش السوداني بعقيدة جديدة بالإضافة إلى قيام حرب 15 أبريل 2023م الماثلة حتى الآن.
مخاطر العسكرة والتسليح:
من أكثر المخاطر التي ستواجه عملية الخطوة التي افصح عنها الفريق أول ركن ياسر العطا المتمثلة في التسريح والدمج وإعادة الدمج هي عمليات العسكرة والتسليح التي تمت للمجتمعات لاسيما في المناطق ذات الهشاشة الامنية والتي تمت في اوقات سابقة ولكن المؤسف فيها انها قد تمت على اساس قبلي واثني مما زاد من سوء الاوضاع الامنية حيث ظلت الاجهزة الرسمية للدولة على كل مستويات الحكم منهكة بسب توترات افرزتها ظاهرة عسكرة المجتمعات وتسليح القبائل والمجموعات السكانية إذ من الواضح انها انحرفت عن المسارات التي وضعت لها ان سلمنا بجدواها لذلك سيظل ماتم بشأن عسكرة المجتمعات وتسليح القبائل تحديا ماثلا لابد من تجاوزه حتى تتم الخطوة التي افصح عنها الفريق أول ركن ياسر العطا و تجد النجاح المطلوب إذ ان بروز المليشيات المسلحة والتي تحولت لما يشبه الجيوش الموازية يمكن أن يشكل عائقا لتنزيل هذه الخطوة مما يجعل أي سلام محتمل عرضة للانهيار إذا لم يتم تداركها.