
الجمارك وسيارات المغتربين…والقرار 285
قبل المغيب
عبدالملك النعيم احمد
*تداولت أخبار الجمعة الماضية أن هيئة الجمارك السودانية قد ارجعت ثلاث بواخر تحمل مئات السيارات الخاصة بالمغتربين السودانيين قادمة من ميناء جدة إلى ميناء عثمان دقنة بسواكن وتم إرجاعها إلى حيث أتت…وقد أثار الخبر الكثير من الإحتجاجات لعدم معرفة الأسباب الحقيقية لهذا الإجراء وهل له علاقة بالقرار الجديد رقم (285) الخاص بتنظيم إستيراد السيارات أم أن هناك أسباباً أخرى مرتبطة بعدم إستيفاء شروط ومتطليات الإستيراد؟ لأن ما تم من إجراء خاص بإرجاع السيارات سيكلف أصحابها كثيراً سواء أكانت تكلفة مادية او مجهود شخصي أو ضياع وقت ولكل من ذلك ثمنه فلا بد أن هناك جهات مسؤولة عن ذلك الإهدار بإتخاذ هذا الإجراء… ولعل أطراف القضية تبدو ثلاث أولها صاحب السيارة نفسه وثانياً شركات الشحن من ميناء جدة إلى سواكن وثالثاً هيئة الجمارك السودانية بوصفها الجهة التي تنتهي عندها العملية في السودان بجانب طبعا هيئة المواصفات والمقاييس تلك الجهة المسؤولة عن جودة المنتج القادم من الخارج والتأكد من درجة مطابقته للمواصفات المطلوبة وهذه ربما تتم بالتنسيق مع هيئة الجمارك لأنها تدخل ضمن شروط ومتطلبات الإستيراد.
*تواصل كاتب هذه السطور خلال اليومين الماضيين مع عدد من الجهات ذات الصلة باستيراد السيارات لمعرفة حيثيات الإجراء كما وصلت إلى بريد الزاوية عدد من رسائل المغتربين والمتضررين من أصحاب السيارات من هذا الإجراء وتسلمت أخيراً البيان الصحفي الصادر عن إدارة الإعلام والعلاقات العامة بهيئة الجمارك السودانية والذي اجاب على الكثير من الأسئلة المثارة ولكنه بالقطع لم يتحدث عن معالجة الخسائر التي نجمت عن الإجراء بالنسبة لأصحاب السيارات بقدر ما ألقى المسؤولية كاملة على شركات الشحن والتي لم تدقق وتراجع المستندات والاوراق المطلوبة بالدقة الكافية والتاكد من أن هذه المستندات مستوفية للشروط المطلوبة قبل شحن السيارات وإرسالها.
*يقول بيان ادارة الاعلام والعلاقات العامة بهيئة الجمارك السودانية ان باخرتين وصلتا ميناء سواكن نهاية الاسبوع الماضي الباخرة (مونتي إكسبرس) وتم إرجاع (67) سيارة من حمولتها بسبب عدم إستيفائها الشروط المطلوبة للإنزال ثم الباخرة (جدارة) والتي كانت تحمل (211) سيارة إستوفت شروط الإنزال منها (142) سيارة وتم إرجاع (69) سيارة إلى ميناء جدة لعدم إستيفاءها الشروط المطلوبة بما يعني أن جملة السيارات التي تم إرجاعها قد بلغ (135) سيارة للباخرتين ..فمن المؤكد أن هذا العدد غير المستوفي للشروط يعتبراً كبيراً وسيكلف اصحابها الكثير من المال والجهد والوقت حتى تعود مرة ثانية إلى ميناء عثمان دقنة بسواكن.
*صحيح أن هيئة الجمارك السودانية قد إلتزمت تماما بشروط الإستيراد وهذا يحمد لها وهو الأمر الذي يجب أن تسير عليه كل مؤسسات الدولة ولكن كان يمكن أن تلتزم بكل تلك الشروط والمواصفات دون أن تكلف اصحاب السيارات المزيد من المال والوقت والجهد إن كان هناك تنسيقاً محكماً بينها وبين شركات الشحن في ميناء جدة وذلك تسهيلاً على المغتربين من ناحية وضماناً لإستيفاء شروط الإستيراد من ناحية ثانية وإلتزاماً بمتطلبات آداء واجبها على أكمل وجه من الناحية الثالثة.
*إقتراح كاتب الزاوية في هذا الموضوع لهيئة الجمارك ولضمان إحكام هذا التنسيق المطلوب والذي قطعاً سيوفر الكثير من الوقت لكل الأطراف المعنية وذات الصلة ..هو أن يكون لهيئة الجمارك مندوباً دائماً في ميناء جدة يعمل مع شركات الشحن يراجع كل المستندات قبل شحن السيارات على البواخر فلا أرى أن هناك صعوبة عملية تذكر من شأنها أن تمنع مثل هذا الإجراء.
*بالنسبة لشركات الشحن والتي هي بالضرورة ملمة بكل تفاصيل شروط الشحن والمستندات المطلوبة أو هكذا يفترض أن تكون هذه أولى مؤهلاتها لتتمتع بحق وكالة الشحن فلماذا لم تدقق في مستندات ال (135) سيارة التي تم إرجاعها؟ وكيف تعاملت مع مستنداتها مقارنة بالسيارات الأخرى التي تم شحنها في نفس الباخرتين ..هل تم ذلك تساهلاً ام جهلاً بالشروط أم ماذا ولماذا ؟ ومهما كانت الأسباب أو المبررات فعلى شركات الشحن أن تتحمل أخطاءها أو (إهمالها) وتجاوزها للشروط كاملة وذلك بتحمل تكلفة إعادة شحن السيارات وتسليمها لأصحابها في ميناء سواكن.. فمن أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل… وأما إن كان التقصير من اصحاب السيارات أنفسهم من المغتربين أو غيرهم فلا حجة لهم ولا مبرر للإحتجاج أو الشكوى وعليهم أن يتحملوا نتائج تقصيرهم.
*ختاما نقول ذلك لأن الإحتجاجات قد كثرت حول هذا الإجراء ولأن للمغترب السوداني حقوقاً على الوطن نظير ما ظل يتحمله وإلتزامه بكل ما عليه من ضرائب وجبايات على الدولة فضلاً عن دورهم الكبير الذي قاموا به خلال هذه الحرب تجاه أسرهم وأقربائهم سواء أكان ذلك باستقبالهم في ديار الإغتراب أو بالصرف عليهم وهم في حالة نزوح داخل السودان أو لاجئين في إحدى الدول فالواجب أيضاً ان تقوم الحكومة بواجبها كاملاً تجاههم ليس فقط في الإعفاءات الجمركية للأغراض الشخصية وانما في كل ما يتعلق بمعاملاتهم الهجرية سواء كان ذلك في السودان عبر جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج أو عبر سفارات السودان في البلدان التي يقيمون فيها أو عبر القنصليات المنتشرة في عدد من دول العالم.
*وإن كان من كلمة أخيرة فهي خاصة بالقرار (285) الخاص باستيراد السيارات والذي هو الآن في مرحلة التطبيق فما نرجوه هو أن يكون هذا القرار أكثر مرونة من غيره وأن يكون ليس في صالح المغترب السوداني وحده وإنما لصالح كل مواطن سوداني يريد ويرغب في استيراد سيارة بعد أن دفع ثمن هذه الحرب في ماله وصحته وفي كل ما يملك فهو الأحوج للمزيد من الإعفاءات لأثاث منزله وللسيارة ولبعض الإحتياجات الشخصية لمنزله الذي تم نهب كل محتوياته فهل فعلاً سيلبي هذا القرار الجديد كل هذه الإحتياجات الشخصية؟ أم على المواطن المغلوب على أمره أن يضحي ويتحمل بأكثر مما ضحى وتحمل؟.