آخر الأخبار

سائق الفيات… قصة أغنية وامرأة وقرية

بقلم: د.خالد البلولة

ارتبطت أغنية سائق الفيات”بإحدى أشهر القصص الواقعية في تاريخ الأغنية السودانية وهي قصة تجسِّد تمازج الفن بالحياة اليومية، وتُسلّط الضوء على القيم السودانية الأصيلة ودور المرأة في المجتمع.
تعود تفاصيل الحكاية إلى أوائل عشرينيات القرن الماضي، حين سافر الشاعر إبراهيم العبادي برفقة الفنان سرور إلى مدينة سنجة، لحضور مناسبة ختان بمنزل الكمدان أمين نابري وكانا يستقلان سيارة من طراز “فيات” الإيطالية، وهي العلامة التجارية التي ترعى نادي يوفنتوس الشهير،المعروف بـ”السيدة العجوز” في إيطاليا.
خلال رحلتهما، وعند مرورهما بقرية الرماش، الواقعة على بُعد تسعة كيلومترات غرب سنجة، توقفت السيارة لبرهة.وتُعد الرماش من القرى التاريخية،حيث استقرت بها أسرة الأمير الزاكي طمل، أحد أبرز قادة المهدية،وما يزال أحفاده يقيمون فيها حتى اليوم.. وأثناء بحثي عن تفاصيل الأغنية سألت ماذا يقصد العبادي بالأدرع فعرفت أنه اسم لثور في مزرعة للزاكي الطمل ويُشرف عليها ابنه الطيب الزاكي الذي ورد ذكره في أحد مقاطع الأغنية الشهيرة:
(اطوي الأرض وازرع
من أفكارنا سيرك يا الفيات أسرع
ميل على المشرع
لا تريع القطيع بتجفل الأدرع)
وأثناء عبورهما القرية شاهدا مجموعة من الفتيات في طريقهن إلى النيل الأزرق لجلب الماء، فتوجه إليهن العبادي وسرور طالبين شربة ماء، فردّت إحداهن، وتُدعى هُندة (بضم الهاء):
(كاس قريب ما في، لكن نسقيكم بكفوفنا حتى تتكفوا.)
وقد كان لهذا الرد العفوي وقع بالغ في نفس العبادي، فدوّنه في ذاكرته، ليصبح لاحقًا محورًا لأغنيته.. ومن هنا جاء المقطع الذي أصبح عنوانًا للأغنية:
(يا سايق الفيات عود بي واخد سنده
بالدرب التحت تجاه ربوع هنده
أوصيك قبل تبدا سيرك ..
داك طريقك سابق الربده
منك بعيد جبده..
يا سايق الفيات)
ولعل اللبس الذي صاحب اسم “هندة” حيث اعتقد البعض أنها منطقة جغرافية مرده إلى عدم نطق الاسم بشكل صحيح من بعض المغنين، إذ تُغنّى أحيانًا بكسر الهاء أو تُربط بـ”ربوع سنجة”بينما الحقيقة أنها كانت امرأة من قرية الرماش.
وتقول إحدى شهود العيان، وهي من رفيقات هندة في ورود الماء”إن هندة لم تكن ذات جمال لافت لكنها كانت طيبة الأخلاق كريمة المنبت وبنت بلد حقيقية، وأضافت أن هندة كانت قد خرجت لتوها من النفاس، وهو ما ألهم العبادي لوصفها في تساؤله الشهير:
(انزل يا سرور وشوف يد القدره
وشوف حسن البداوة الما لمس بدره
وراد النهر خلوني ما بدرا
كاتلني الصفار ام نضرة الخدره)
وقد التقيت بأسرة هندة في قرية الرماش، ناحية سنجة بولاية سنار حيث أفاد ابنها علي – وكان طفلًا في الخامسة عند وفاة والدته عام 1935م – بأنه شهد لحظة رحيلها.. والتقيت برفيقتها عائشة التي أكدت تفاصيل القصة، ووصفت هندة بأنها كانت رمزًا للكرم والحياء والروح الريفية النقية.
لقد صيغت هذه الأغنية عام 1920م، لكنها لا تزال خالدة في وجدان السودانيين كونها وثّقت لحظة إنسانية حقيقية وخلّدت امرأة بسيطة جعلت من موقف عابر قصيدة عشق ونبع فخر لقريتها وأهلها.