
أسامة أنور عكاشة وليالي الشهد والدموع (٣)
عماد البشرى
لم يمض وقت طويل حتى بدأ الناس يطلقون على مسلسلات أسامة أن هذا هو عمل أسامة، وهذا لم يكن موجودا قبله بل كانت الأعمال تطلق باسم أبطالها من الممثلين فتحالفت الأعمال الفنية الكبيرة مثل (الشهد والدموع) و(ليالي الحلمية) و(ضمير آبلة حكمت) في توقيع مشهد يجمع بين قراءة الشخصية المصرية من حيث الهوية والتاريخ ومن حيث المستقبل وذاكرة أبناء البلد الذين خرجت بهم أعمال نجيب محفوظ منذ الثلاثية وغيرها من أعمال.
عكف أسامة على مزج بين علم الإجتماع والسياسة والفن في رسم ملامح شخصياته الفنية، فظهرت في أعماله تناقضات الإنسان وصراعاته عبر حقب متعددة بدأت منذ الاستعمار كما فعل مع (سليم البدري) الذي بدأ برجوازيا ابن طبقة غنية صاحبة صيت صناعي، وتحول بعد منحه الباشوية التي يمنحها الملك فاروق لمن يروق له إلى أخطبوط صناعي، ثم تنهار ثروته بعد تأميم ناصر ويهرب إلى خارج مصر ويعود بعد انفتاح السادات ليرسم شخصية مصر مابعد الانفتاح، لكن المدهش أنه دائما كان هناك خيط رفيع يمسكه أسامة لشخصياته وهو تأثير الطبقة التي ينتمي لها الشخص الثقافي، وانعكاس ذلك على قيمه وصراعاتها مع تطورات الأحداث، وظهر ذلك واضحا في صراع يحي الفخراني مع ابنه ممدوح عبدالعليم وماعرف بالفساد الإداري لطبقة الأغنياء بعد الانفتاح.
ظلت ثقافة أسامة الموسوعية تطوف في كل جوانب ملامح أعماله، فنجده يبرع جدا وهو يتحدث بلسان الدبلوماسي المثقف والأديب الهاوي والعاشق للفن بلغة راقية جدا عندما يحكي عن مفيد أبوالغار في (الراية البيضاء)، وكيف يدور الصراع ليس فقط بين الجهل والعلم أو بين الفقر والغنى لكن بين الوعي والاستنارة والجهل المطلق، مثلما نجد حوارات فضة المعداوي التي تريد تحويل كل ماهو فني وثقافي وجميل إلى مجرد أكلة صيادية بمالها وتنهال في أخر العمل ببلدوزر جهلها على أعظم قيمة فنية في الاسكندرية فقط لتشبع رغبة متحدية لامتلاك بيت لا تعرف لا قيمته التاريخية ولا حتى الحضارية ولاحتى الفنية، فكأنما يريد أسامة أن يقول أنها حركة التاريخ أحيانا كثيرة تحرك عجلاتها رغبات الجهلاء ونزواتهم.
ظل أسامة أنور عكاشة ميالا لرسم خطوط متقاطعة يصعب على المتلقي الوصول بذكاء عالي جدا إلى آخر مشاهدها، فيفاجئ دائما الجمهور بمشاهد الفراق لحظة توقع الالتقاء، أو مشاهد الرحيل لحظة توقع البقاء أو مشاهد الانهيار لحظة التماسك أسامة له قدرة عجيبة على التماسك والانسجام مع شخصياته، فيبكي معها ويسخر منها ويحتقرها تماما مثلما فعل مع عايدة في (زيزينيا ).
أما خارج الدراما فهناك أعمال مهمة مثل (وهج الصيف)، (مقاطع من أغنية قديمة)، (أوراق مسافر) تنم عن جهد كتابي آخر..
وآخيرا نزل تترو مسلسل درامي ضخم بموت أسامة أنور عكاشة لكنه لن ينتهي، بل سيستمر ما إن ندخل خان الخليلي لنجد بين ورش الأرابيسك حسن النعماني حاضر وفي الحلمية القديمة نجد ابن البلد الممثل في زينهم السماحي مدافعا عن القيم، وفي الاسكندرية نجد الحب موجودا بين الشواطئ مثل قصة أمل وهشام في الراية البيضاء وفي كل مؤسسات الدولة نجد الأرزقي المتلون مثل حلمي خليف لكن نجد في كل ركن فارسا يحمل قيم وأخلاق أبوالعلا البشري وفي قمة الصراع على مصر والعروبة نجد دوما من يدعو الى الصبر وعدم رفع الراية البيضاء وإن طال الصراع.