
لآلئ بأقلامهم (26)(لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ج)
صمت الكلام
فائزة إدريس
*ابتسمت لي، نعم ابتسمت، ما زال هناك بشر يبتسمون بطيبة… ثم وضعت إصبعها محذرة على شفتيها، وعادت تبتعد في هدوء. لكنني لم أطعها، فكيف لي ذلك، وأنا لم أملأ نظري من هذه المعجزة، حاولت عنوة أن أعتدل في فراشي لأتابعها بنظراتي المتشبثة بهذا المخلوق العجائبي الإنساني العطرف، لكني لم أفلح في أن أُجلِس نفسي على حافة السرير إذ أحسست مكان يدي اليمني والإصبع والمعصم بشيء غريب، كالكرة المنتفخة الكبيرة البيضاء وهو على ما يبدو ضمادة كبيرة نظرت إلى هذا الشيء الأبيض المنتفخ الغريب في يدي باستغراب، ثم بدأت رويداً أفهم أين أنا وأراجع ما قد حدث لي. لا بد أنهم أصابوني في يدي أو أنني الحقت الإصابة بنفسي، ولذا فأنا بمشفى.
*وجاء الطبيب يزورني ظهر اليوم، رجل كهل ودود. كان يعرف اسم عائلتي وتحدث باحترام شديد عن عمي، الطبيب الشخصي للقيصر فشعرت في الحال بنيته الطيبة تجاهي.. وجه لي خلال حديثنا أسئلة شتى، أدهشني من بينها سؤال عما إذا كنت عالماً في الرياضيات أو الكيمياء فعند نفيي للسؤال قال مغمغماً: (عجباً… في هذيانك كنت تصيح بمعادلات غريبة لم نفهم منها شيئا
*سألته عما جرى لي، فابتسم ابتسامة غريبة، وقال: (ليس بشيء مقلق، أزمة عصبية حادة) . ثم التفت من حوله بحذر وأضاف متمتماً(أمر طبيعي. منذ 13 مارس، اليس كذلك؟) أومأت له برأسي.
*واستطرد مهمهماً: (وما العجب مع منهجيات كتلك.. لست أول حالة؛ لكن دعك من القلق) أسلوبه الهادئ وهو يهمس إليّ، ونظرته الطيبة أكدا لي أنني في أيد أمينة.
*عاد الطبيب الطيب بعد يومين وأخبرني صراحة بما وقع. فقد سمعني الحارس وأنا أصرخ بصوت مرتفع في زنزانتي حتى ظن للوهلة الأولى أن شخصاً ما تمكن من الاقتحام وأنني اشتبكت معه. لكن تو ما ظهر على الباب انقضضت عليه بصرخات شوعاء من قبيل: (نفذ دورك يا أيها الوغد يانذل) ، وحاولت أن تمسك به من رقبته وهاجمته لدرجة أنه كان عليه أن يستغيث طلبا للنجدة.
نهاية المداد:
عندما لا نعيش حياة واقعية جيدة ، يبدأ المرء في خلق عالم آخر وهمي بداخل عقله ، فذلك العالم أفضل من لا شيء
( أنطون تشيخوف)