آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (38) (لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (خ)

صمت الكلام

فائزة إدريس

 

*إن دهشتي بوجود قطع على الرقعة تماثل التي توهمتها في مجال خيالي، كدهشة رجل فضاء قام بأعقد الحسابات الفلكية على الورق لكوكب جديد، ثم وجده فعلاً في السماء في شكل نجم أبيض ساطع. نظرت إلى الرقعة كالمجذوب مغناطيسياً، ووجدت عليها مخططاتي والحصان والطابية والملك والوزير والبيدق كقطع حقيقية مصنوعة من الخشب.

*وكان عليّ أن أعود من عالم الأرقام المجردة إلى عالم القطع المتحركة؛ لأتعرف على الموقف لهذا الدور، ثم أخذ الفضول يراودني لأشاهد لعبة حقيقية بين خصمين. ثم وجدت نفسي أتدخل في الدور متناسياً أي نوع من اللياقة. يا له من موقف محرج. لكن الهفوة التي أوشك صديقك أن يقدم عليها كانت كالطعنة في القلب فدفعني الحدس دون تفكير أن أمنعه من ارتكابها كمن يمسك طفلاً يتمايل على السور. فيما بعد أدركت أيّ تعد جسيم أقدمت عليه بإقحام نفسي.

*سارعت إلى طمأنة الدكتور (ب) مؤكداً له أننا جميعاً مسرورون بهذه الصدفة التي ندين لها؛ حيث عرفتنا به وأنني بعد كل ما باحه لي تضاعف اهتمامي بأن أشاهده غداً خلال الجولة. بدا الدكتور (ب) متوتراً وهو يقول:

(لا، لا تتوقع مشاهدة الكثير، إنها مجرد تجربة بالنسبة لي … ليست أكثر من تجربة، إذا كنت… إذا كنت أصلاً قادراً على لعب دور شطرنج عادي، على رقعة شطرنج حقيقية وقطع ملموسة ضد خصم من البشر إذ لا يزال يساورني الشك إذا كانت مئات ربما آلاف الأدوار التي لعبتها فعلاً جرت طبقاً لقواعد اللعبة أم أنها كانت حلماً أو حمى شطرنج أو حمى لعب من نوع ما، كما في الحلم، دائما يسقط منه ما بين الدرجات، أتمنى ألا تكون فعلاً معتقداً أنني أظن نفسي قادراً على أن أهزم بطلاً في الشطرنج، بل ومتنافس على المركز الأول. ما يهمني بل يستهوي فضولي هو أن أعرف إذا كان ما حدث آنذاك في الزنزانة، بعد انتهاء الموقف، فعلاً لعب شطرنج أم جنون؛ إذا كنت على أعتاب حافة الهاوية أو تجاوزتها، هذا ما يعنيني ولا شيء سوى ذلك.

نهاية المداد:

*في حياتنا اليومية أحداث صغيرة؛ ولأنّها صغيرة فإنّنا لا نلتفت إليها، ولا نستخرج معانيها العميقة.

 (أنيس منصور)