آخر الأخبار

لماذا تتأخر العودة الكاملة للإذاعة والتلفزيون إلى أم درمان؟(1-2)

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

 دكتور مزمل سليمان حمد.

 

*ليس ثمة مؤسسة إعلامية في السودان ارتبطت بوجدان الناس كما ارتبطت الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بتاريخ البلاد وذاكرتها الحية. فمنذ البدايات الأولى للبث من أم درمان، ظل صوت الإذاعة السودانية وصورة التلفزيون السوداني جزءاً أصيلاً من حياة الناس، شاهداً على الأفراح والأحزان، وعلى التحولات الكبرى التي مرت بها البلاد. رغم الحكم القاسي الذي تعرضت له إلاذاعة والتلفزيون من الحكومات المتعاقبة لم تكن تلك المؤسسة مجرد مبانٍ وأجهزة بث، بل كانت مدرسة وطنية كبرى خرجت أجيالاً من المبدعين والمثقفين والإعلاميين الذين صاغوا وجدان الأمة وعبّروا عن تنوعها الثقافي والاجتماعي.

*واليوم، وفي ظل الظروف الاستثنائية التي مرّ بها السودان خلال سنوات الحرب، يظل السؤال الذي يتردد في أوساط العاملين بالهيئة والجمهور على السواء: لماذا يتأخر قرار العودة الكاملة إلى العاصمة الخرطوم، وإعادة البث من أم درمان، رغم أن مجلس السيادة ومجلس الوزراء دعوا صراحة إلى عودة المؤسسات ومزاولة أعمالها من العاصمة؟ ولمصلحة من يستمر هذا التأخير؟ صحيح تم الاحتفال باليوم العالمي للراديو في احتفالية غاب عنها السواد الاعظم من اهل المصلحة( المحتفى بهم ).

*الحقيقة التي لا يختلف حولها اثنان أن منسوبي الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وعددهم يفوق ألف موظف وموظفة  نصفهم لم يغادر ام درمان ولكنهم ظلوا مغيبين عن مؤسستهم. وبحكم ان البث كان ومازال من عطبرة و بورتسودان.. الا انهم ظلوا، طوال هذه الفترة العصيبة، أكثر الفئات تمسكاً بمؤسستهم وأكثرها شوقاً للعودة إلى مقرها التاريخي. فهم يدركون أن الإعلام الوطني لا يكتمل دوره الحقيقي إلا عندما يكون قريباً من نبض الناس ومركز الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية. ولذلك ظل الحنين إلى أم درمان، بكل ما تحمله من رمزية تاريخية وثقافية، يسكن وجدان العاملين كما يسكن وجدان جمهورهم العريض.

*إن العلاقة بين المبدع ومؤسسته الإعلامية ليست علاقة وظيفية باردة، بل علاقة وجدانية عميقة متجددة تشبه علاقة الإنسان بوطنه. ولعل كلمات المبدع عبد العزيز العميري تختصر هذا الإحساس الصادق حين قال:

أي صوتٍ راجيهو صوتك

وأي شريانٍ فيك وريدي

الزمن قاسي الملامح

وانت نوارة قصيدي

ما اشتكيت لوردة غيرك

وما لمست سوى حريرك

وكلما هاجت شواغل

ما نشدت بدل مصيرك

بهذه الروح تولد علاقة الحب والانتماء بين المبدع ومؤسسته، وهي علاقة لا يمكن أن تُفهم بمنطق الإدارة البيروقراطية أو الحسابات الضيقة. فالمؤسسة بالنسبة لمنسوبيها ليست مجرد موقع عمل، بل فضاء للإبداع وبيت للذاكرة الوطنية.

*ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: ما الذي يؤخر العودة الكاملة  للإذاعة والتلفزيون إلى مقرهما الطبيعي في أم درمان؟ وهل يتعلق الأمر بعقبات فنية أو إدارية، أم أن هناك حسابات أخرى لا يدركها العاملون ولا الجمهور؟

لكن المنطق يقول طالما اعيد البث من ام درمان لماذا تم الاكتفاء بساعات قليلة ثم العودة مرة اخرى لعطبرة و بورتسودان.

*لا شك أن إعادة الإعمار وترميم البنية التحتية للمؤسسات الإعلامية بعد الحرب يتطلب جهداً كبيراً وموارد مالية وتقنية.. فالمباني والاستديوهات وأجهزة الإرسال تحتاج إلى تقييم فني دقيق، كما أن شبكات البث تحتاج إلى إعادة تأهيل. لكن هذه التحديات، مهما كانت صعبة، لا يمكن أن تبرر حالة الجمود الطويلة، خاصة إذا توفرت الإرادة السياسية الواضحة التي عبّر عنها قرار مجلس السيادة ومجلس الوزراء بعودة المؤسسات إلى العاصمة.

*إن التأخير في إعادة البث كاملا من أم درمان لا يضر فقط بالعاملين في الهيئة، بل يحرم ملايين السودانيين من مؤسسة إعلامية وطنية لعبت دوراً محورياً في تشكيل وعيهم الجمعي. ففي زمن الأزمات والتحولات الكبرى، يصبح الإعلام الوطني أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنه القادر على توحيد الخطاب الوطني وتعزيز روح التضامن بين المواطنين.

*كما أن استمرار غياب البث كاملا من أم درمان يفتح المجال أمام فراغ إعلامي قد تملؤه منصات غير مهنية أو وسائل إعلام لا تعبّر بالضرورة عن المصلحة الوطنية. ولهذا فإن عودة الإذاعة والتلفزيون ليست مجرد مسألة إدارية، بل قضية تتعلق بالأمن الثقافي والإعلامي للبلاد.

*وفي هذا السياق، لا بد أيضاً من النظر إلى العودة المرتقبة باعتبارها فرصة لإعادة التفكير في خارطة البرامج الإعلامية بما يتوافق مع متطلبات المرحلة الراهنة والمرحلة القادمة. فالسودان يمر اليوم بمرحلة تاريخية دقيقة تتطلب خطاباً إعلامياً جديداً يعكس تطلعات الناس نحو السلام وإعادة البناء والاستقرار.

*إن خارطة البرامج في الإذاعة والتلفزيون يجب أن تعكس أولويات المجتمع في هذه المرحلة، من خلال برامج تعزز ثقافة السلام والتعايش، وتسلط الضوء على جهود إعادة الإعمار، وتدعم روح الأمل لدى المواطنين الذين عانوا من ويلات الحرب. كما ينبغي أن تُفسح مساحة أكبر للإبداع الشبابي وللمبادرات الثقافية التي تعكس تنوع السودان وغناه الحضاري.

*ومن الضروري كذلك تطوير المحتوى الإعلامي ليتواكب مع التحولات التكنولوجية الحديثة، بحيث تصبح الإذاعة والتلفزيون جزءاً من منظومة إعلامية متعددة المنصات تشمل البث الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى تتمكن من الوصول إلى الأجيال الجديدة التي تغيرت عاداتها الإعلامية بشكل كبير.

*إن عودة الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون  للبث الكامل إلى أم درمان يجب ألا تكون مجرد عودة شكلية إلى المباني القديمة، بل ينبغي أن تكون بداية لمرحلة جديدة من التحديث المؤسسي والمهني، تعيد للإعلام الوطني مكانته ودوره الريادي في الحياة العامة.

*ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة: من المسؤول عن هذا التأخير؟ وهل هناك خطة زمنية محددة لإعادة تشغيل البث من أم درمان؟ إن الشفافية في الإجابة عن هذه الأسئلة أصبحت ضرورة، ليس فقط احتراماً للعاملين في الهيئة الذين ظلوا متمسكين بمؤسستهم رغم الظروف القاسية، بل أيضاً احتراماً للجمهور الذي يحق له أن يرى مؤسسته الإعلامية الوطنية تعود إلى مكانها الطبيعي في قلب العاصمة.

*فالإذاعة والتلفزيون في السودان ليسا مجرد وسيلتي إعلام، بل هما جزء من ذاكرة الوطن وصوته الحي. وكل يوم يتأخر فيه البث من أم درمان هو يوم يتأخر فيه صوت السودان عن الوصول إلى أبنائه.

– نواصل –