آخر الأخبار

زيادة جديدة في الدولار الجمركي .. اقتصاديون: الحكومة تتمسك بإجراءات مدمرة للقوة الشرائية

لم يكن مفاجئًا بالنسبة للمتعاملين في قطاع التخليص الجمركي بمعبر “أرقين” الحدودي بمحلية وادي حلفا بالولاية الشمالية، أن يطالعوا إخطارًا من موظفي الجمارك يقضي بزيادة التعرفة الجمركية؛ فالمشهد الاقتصادي المتأزم في السودان بات يجعل من “المفاجآت” واقعًا معتادًا. وأفاد المخلصون الذين تحدثوا لـ”الترا سودان” بأن الرسوم الجمركية قفزت من 2,849 جنيهًا إلى 3,222 جنيهًا للدولار الجمركي الواحد، عند تخليص السلع المستوردة عبر المنافذ الرسمية.

 

 

تتلاشى عوامل الدهشة حيال هذه الزيادات المتلاحقة بالنظر إلى المسار الاقتصادي الذي انتهجته وزارة المالية والتخطيط منذ فبراير 2021، إبان فترة الحكومة الانتقالية، حين أعلنت تحرير سعر صرف العملة الوطنية. هذا القرار شمل كافة المعاملات بما فيها الجمارك المفروضة على السلع الواردة، والتي تضع لها شرطة الجمارك تعرفة محددة تُعرف شعبيًا بـ “الدولار الجمركي”.

 

 

وفي هذا الصدد، صرح أحد العاملين في مجال التخليص بمعبر “أرقين” بمحلية وادي حلفا شمالي البلاد لـ “الترا سودان”، بأن ضباط الجمارك أبلغوا المتعاملين صباح السبت، الموافق 11 أبريل 2026، بضرورة اعتماد التعرفة الجديدة لتخليص الشحنات القادمة إلى البلاد، حيث استقرت الزيادة عند حاجز 3,222 جنيهًا سودانيًا.

 

تدابير حكومية قاسية

تأتي هذه الخطوة في أعقاب حزمة تدابير أعلنها مجلس الوزراء السوداني الخميس، 9 أبريل 2026، تهدف إلى سد الفجوة الآخذة في الاتساع في الميزان التجاري ونُشرت رسميًا على منصاتها في مواقع التواصل الاجتماعي ووكالة السودان للأنباء. وتشير التقديرات غير الرسمية إلى أن العجز مرشح للارتفاع هذا العام ليصل إلى 3.9 مليار دولار، مقارنة بـ 3.6 مليار دولار في عام 2025. وهي أرقام تظل رهينة التقلبات الاقتصادية المحلية والاضطرابات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط.

 

ويروي أحد المتعاملين في محطة “أرقين” معاناته مع هذه الزيادة قائلاً: “اليوم السبت، توجهنا للنافذة لتخليص شحنة سلع استهلاكية، وبدلًا من سداد مبلغ 700 ألف جنيه، اضطررنا لدفع 850 ألف جنيه (ما يعادل تقريبًا 250 دولاراً أميركياً). لقد شكلت هذه القفزة صدمة حقيقية، إذ بلغت الزيادة 373 جنيهًا في المرة الواحدة”.

 

كبح الاستيراد أم خنق القوة الشرائية؟

تراهن الحكومة السودانية على أن فرض رسوم جمركية مرتفعة قد يسهم في كبح جماح الاستيراد وتقليل الطلب على العملات الأجنبية، مما قد يؤدي إلى نوع من الاستقرار في السوق الموازي للنقد الأجنبي. إلا أن المحلل الاقتصادي حسام الدين مصطفى يرى عكس ذلك؛ إذ يعتقد أن هذه الآمال قد تصطدم بواقع مرير يتمثل في تدهور القوة الشرائية وتكبيد التجار خسائر فادحة.

 

وأكد مصطفى لـ “الترا سودان” أن معالجة عجز الميزان التجاري وشح النقد الأجنبي لا تتم عبر زيادة الضرائب والجمارك، بل من خلال توسيع القاعدة الإنتاجية وتعزيز الصادرات. وأضاف: “الرسوم الجمركية تُوضع وفقًا لسياسة التحرير التي اتُّخذت في 2021، لكن لا يمكن امتصاص آثارها الكارثية التي تظهر في اشتعال أسعار السلع وتآكل دخول المواطنين”.

 

الدواء والغذاء.. خارج القدرة الشرائية

 

ويحذر المحلل الاقتصادي من أن انخفاض القوة الشرائية يدفع المواطنين للتخلي عن سلع أساسية وضرورية، مشيرًا إلى أن الأسعار باتت تفوق طاقة الكثيرين حتى في قطاع الأدوية. وفي الوقت نفسه، واصل الجنيه السوداني رحلة هبوطه أمام الدولار في السوق الموازي، حيث تراوحت الأسعار خلال اليومين الماضيين ما بين 3,850 إلى 4,000 جنيه للدولار الواحد.

 

كما انتقد مصطفى محاولات بعض المسؤولين لتعليق الأزمة على شماعة الاضطرابات الملاحية في مضيق هرمز، موضحًا أن الأزمات العالمية تزيد الوضع سوءاً، لكن الاقتصاد السوداني يعاني في الأصل من أزمات هيكلية ومزمنة.

 

ما هي الحلول للخروج من أزمة؟

ويرى حسام الدين مصطفى أن الاعتماد الكلي على زيادة التعرفة الجمركية يدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة، وأن المخرج الحقيقي يكمن في: “توسيع نطاق الإنتاج المحلي” لتغطية العجز التجاري و”زيادة الإنفاق على الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والكهرباء” بالتوازي مع نفقات الحرب و”مكافحة تهريب الذهب” و”القضاء الشامل على الفساد” و”إنهاء ظاهرة تجنيب الأموال”.

 

وفي ختام حديثه، أشار مصطفى إلى أنه على الرغم من التقدم الذي أحرزته اللجنة بقيادة عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر ووزير المالية جبريل إبراهيم في استعادة بعض الخدمات بالعاصمة الخرطوم، إلا أن “مفاصل القرار” الاقتصادي والسياسي لا تزال تخضع لهيمنة المكون العسكري، مما يعقد عملية الإصلاح الشامل.