
العلاقات السودانية المصرية (4-5)
صداء من الواقع ومن أجل مستقبلٍ واعد
د. مزمل سليمان حمد
*لم تعد السفارة السودانية في القاهرة مجرد بعثة دبلوماسية تقليدية، بل تحولت – بفعل التحولات العاصفة التي يشهدها السودان – إلى مؤسسة سيادية خدمية ذات طابع استثنائي، تتقاطع فيها مهام الرعاية القنصلية مع مسؤوليات الحماية الوطنية، ويتداخل فيها البعد الإنساني مع مقتضيات العمل المؤسسي. ومع انتقالها إلى مقرها الجديد في المدينة الإدارية، دخلت السفارة مرحلة جديدة تفرض تحديات المكان بقدر ما تفتح آفاقاً للتحديث وإعادة البناء.
*صحيح أن بُعد الموقع الجغرافي يمثل عبئاً على شريحة واسعة من السودانيين في القاهرة الكبرى، لكن هذا الواقع لا ينبغي أن يُقرأ كعائق، بل كحافز لإعادة التفكير في نموذج تقديم الخدمة، والانتقال من مركزية المقر إلى لامركزية الوصول إلى المواطن.
*لقد فرضت الحرب واقعاً جديداً، حيث تضاعفت أعداد السودانيين في مصر، وتعاظمت احتياجاتهم، وتشابكت ملفاتهم بين الإقامة، والتوثيق، والتعليم، والعلاج، والعودة الطوعية.. وفي ظل هذا الضغط المركب، لم يعد الأداء التقليدي كافياً، بل أصبح الابتكار الإداري ضرورة وطنية.
*أولاً: السفارة المتحركة… كسر حاجز المسافة: تظل فكرة السفارة المتحركة من أهم الأدوات العملية لتقريب الخدمة من المواطن، عبر وحدات متنقلة تجوب مناطق الكثافة السودانية، تقدم الخدمات الأساسية وتخفف الضغط عن المقر الرئيسي. هذه الخطوة تعكس تحولاً نوعياً في فلسفة العمل القنصلي، من الانتظار إلى المبادرة.
*ثانياً: المنصة الرقمية… من الوجود الشكلي إلى الفاعلية الحقيقية: رغم وجود منصة رقمية بالسفارة، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في ضعف فاعليتها وتعقيد إجراءاتها. فالمواطن لا يزال يواجه صعوبة في الدخول إليها أو الاستفادة منها بصورة سلسة
المطلوب هو إعادة هندسة النظام القائم عبر: تبسيط واجهة الاستخدام وربطها بتطبيقات الهاتف ..تفعيل خدمات رفع المستندات إلكترونياً بصورة شاملة.. تسريع نظام حجز المواعيد وربطه بالدفع الإلكتروني ..إنشاء نظام استجابة فوري للشكاوى والاستفسارات.
*إن التحول الرقمي لا يُقاس بوجود المنصة، بل بمدى استخدامها وفاعليتها
*ثالثاً: مراكز الخدمة الوسيطة… حل واقعي وفعال: إن إنشاء نقاط خدمة داخل القاهرة الكبرى يمثل حلاً عملياً لتقليل مشقة التنقل، خاصة للفئات الأكثر احتياجاً، ويعزز من انتشار الخدمة وعدالتها.
*رابعاً: ملف الإقامات… مقاربة إنسانية وتنسيق مؤسسي: يظل ملف الإقامات، خاصة للقادمين بطرق غير نظامية، من أكثر الملفات حساسية. وهنا تبرز ضرورة التعامل معه بروح إنسانية وإدارية متوازنة، مع تعزيز الربط المؤسسي بين السفارة والقنصلية السودانية في أسوان عبر: تبادل المعلومات الفورية بناء قاعدة بيانات موحدة تسريع إجراءات توفيق الأوضاع.. إن غياب التنسيق الكامل يخلق فجوات يتحمل المواطن كلفتها.
*خامساً: العودة الطوعية… من تعدد المبادرات إلى وحدة الهدف: تمثل العودة الطوعية أحد أهم التحديات الوطنية، وقد شهدت الساحة عدة مبادرات، أبرزها تجربة الصناعات الدفاعية التي نجحت في إعادة آلاف الأسر بقيادة المهندسة( أميمة عبد الله،) رغم الضغوط التي واجهتها.
كما برزت مبادرات أخرى مثل مبادرة الأمل ومبادرة جهاز المخابرات، وكلها تعكس رغبة وطنية صادقة
غير أن التحدي ليس في التعدد، بل في غياب التنسيق، وهنا يأتي دور السفارة في: دعم كل المبادرات دون إقصاء توزيع الأدوار إنشاء قاعدة بيانات موحدة ..ضمان تدفق المعلومات..
إن النجاح يتحقق بإدارة التعدد لا بإلغائه.
*سادساً: الإعلام… فصل الاختصاص وتفعيل التأثير: لم يعد من المقبول دمج الملف الإعلامي داخل الملحقية الثقافية، بل المطلوب إنشاء ملحقية إعلامية مستقلة.
*وفي هذا السياق، يبرز الأستاذ الاعلامي المخضرم ( عادل الصول) كخيار مهني مناسب لما يمتلكه من خبرة وعلاقات، مع أهمية التواصل مع الإعلام المصري والسوداني دعم الإنتاج الإعلامي من القاهرة ..إدارة الخطاب الإعلامي في الأزمات.
*سابعاً: العلاقة مع الجالية… من التمثيل إلى الشراكة: تتطلب العلاقة مع الجالية لقاءات شهرية مفتوحة تنظيمها داخل بيت السودان أو قطاعات القاهرة.. مجلس استشاري للسفير.. لقاءات مباشرة مع المسؤولين السودانيين الزائرين.. الجالية ليست متلقياً بل شريكاً
*ثامناً: بيت السودان… واجهة تحتاج إلى إصلاح: يحتاج بيت السودان إلى
تحسين الأداء الإداري و معالجة شكاوى سوء التعامل إحداث تدوير وظيفي خاصه مكتب الاستقبال لبيت السودان..
تخفيض الرسوم لجعله فضاءً جامعاً
*تاسعاً: إصلاح الداخل… أساس النجاح لا إصلاح دون تطوير العنصر البشري وترسيخ ثقافة الخدمة
إن السفارة السودانية في القاهرة تقف اليوم أمام اختبار حقيقي: هل تظل أسيرة ضغط الواقع، أم تتحول إلى نموذج مؤسسي متطور قادر على إدارة الأزمات وصناعة الحلول؟
والإجابة، في تقديرنا، نعم… يمكنها أن تحقق ذلك، لاسيما وأن على رأسها سعادة السفير الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، وهو من الشخصيات ذات الكفاءة العالية والخبرة المتراكمة. فقد ربطتنا به تجربة عمل مباشرة إبان مفاوضات السودان مع دولة جنوب السودان قبل الانفصال، حين كنا ضمن الوفد الإعلامي الذي غطّى تلك المفاوضات، وكان ممسكاً بملف الترتيبات الأمنية، خاصة في المناطق الحدودية التسع.
*ومن خلال تلك التجربة، يمكن قراءة شخصية السفير عماد الدين مصطفى عدوي بوصفها شخصية منفتحة، ذات بعد استراتيجي، تتسم بالهدوء والقدرة على إدارة الملفات المعقدة بكفاءة عالية، وهو ما يجعله مؤهلاً لقيادة تحول حقيقي في أداء السفارة
كما أننا التقينا به ضمن وفد اتحاد الصحفيين السودانيين قبيل توليه مهامه، وقدمنا له جملة من الرؤى والمقترحات التي تصب في خدمة السودانيين في مصر وتعزيز العلاقات السودانية المصرية، ونحن على ثقة بأن هذه الرؤية المنفتحة ستنعكس إيجاباً على الأداء خلال المرحلة القادمة.
*وفي المحصلة، فإن السفارة التي تُحسن رعاية مواطنيها… تُعيد بناء ثقتهم، والدولة التي تنجح في الخارج… تمهّد طريق استقرارها في الداخل.