
ألمانيا والسودان… ما بين تعقيد المصالح وتبسيط التفسيرات (1-2)
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*أثار المقال الذي كتبه الدكتور الدرديري محمد أحمد بعنوان (ألمانيا: مالها وما للسودان ..قراءة في دوافع مؤتمر برلين)، حول دوافع ألمانيا لعقد مؤتمر بشأن السودان سؤالًا مشروعًا في ظاهره: لماذا ألمانيا؟ وما الذي يدفع دولة لا تربطها بالسودان مصالح تجارية كبيرة، ولا تواجه ضغوط هجرة مباشرة منه، إلى الانخراط في هذا الملف؟ غير أن الإجابة التي قدمها المقال، والتي أرجعت التحرك الألماني إلى عقدة الذنب التاريخية تجاه إسرائيل، ومن ثم إلى خدمة مصالحها في السودان، بدت أقرب إلى تفسير أحادي للدوافع، لا ينسجم مع طبيعة السياسة الدولية التي تتشكل عادة من تداخل طبقات متعددة من المصالح، لا من دافع واحد مهما بدا قويًا.
*ينطلق الطرح من فرضية أن السودان لا يمثل أولوية اقتصادية أو ديموغرافية لألمانيا، وبالتالي فإن تحركها لا بد أن يكون بدوافع غير تقليدية.. غير أن هذه الحجة تفترض أن الدول لا تتحرك إلا وفق معيار التجارة والهجرة، بينما تُظهر تجارب السياسة الدولية أن كثيرًا من التحركات ترتبط باعتبارات أمنية واستراتيجية أوسع. فالسودان يقع في نطاق جغرافي حساس يتصل مباشرة بالقرن الأفريقي والبحر الأحمر وشمال أفريقيا، وهي مناطق ترتبط بالنسبة لأوروبا بقضايا أمن الملاحة، والهجرة غير النظامية، واستقرار دول العبور، ومنع تمدد النزاعات الإقليمية. وفي مثل هذه الحالات، لا تكون المصالح التجارية المباشرة شرطًا للتحرك، بل يكفي أن يكون البلد جزءًا من منظومة إقليمية تؤثر على الأمن الأوروبي.
*كما أن الاستناد إلى الخلفية التاريخية المتمثلة في خروج ألمانيا من أفريقيا بعد الحرب العالمية الأولى، وما ترتب عليه من شعور بالذنب أو الإقصاء، هو طرح جذاب سرديًا لكنه ضعيف تحليليًا. فالسياسة الألمانية المعاصرة تُصاغ ضمن إطار أوروبي جماعي، وتتحرك غالبًا عبر الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لا بدافع استعادة دور استعماري أو رد اعتبار تاريخي. ولذلك فإن الربط بين أحداث تعود إلى ما قبل قرن من الزمان، وبين مؤتمر دولي معاصر حول السودان، يبدو أقرب إلى بناء سردي منه إلى تفسير سياسي مباشر.
*ويزداد هذا التبسيط وضوحًا عند الانتقال إلى مفهوم سبب وجود الدولة الألمانية المرتبط بأمن إسرائيل. فلا خلاف على أن ألمانيا تحمل التزامًا خاصًا تجاه إسرائيل، لكن تحويل هذا الالتزام إلى مفتاح تفسير شامل لكل تحركات ألمانيا، بما في ذلك السودان، يتجاوز حدود المنطق السياسي. فالدول الكبرى، حتى حين تحمل التزامات أخلاقية أو تاريخية، لا تختزل سياساتها الخارجية في هذا العامل وحده، كما أن الاتحاد الأوروبي، الذي تتحرك ألمانيا في إطاره، يضم دولًا ذات رؤى مختلفة، ما يجعل السياسات الناتجة أكثر تعقيدًا من أن تُفسر عبر علاقة ثنائية واحدة.
*أما الربط بين دخول ألمانيا إلى السودان بعد عام 2019م وبين المسار الإسرائيلي، استنادًا إلى تزامن زيارات مسؤولين ألمان وإسرائيليين، فهو استنتاج يقوم على قراءة انتقائية للتسلسل الزمني. فقد شهد السودان في تلك الفترة انفتاحًا دوليًا واسعًا عقب التغيير السياسي، وتدفقت زيارات المسؤولين من الولايات المتحدة وأوروبا والمنظمات الدولية، وكان السودان محور اهتمام دولي عام، لا ساحة تنسيق بين طرفين بعينهما. كما أن تعيين مسؤول أممي من جنسية ألمانية في بعثة الأمم المتحدة لا يمثل بالضرورة تعبيرًا عن سياسة ألمانية منفردة، لأن هذه التعيينات تتم عبر منظومة أممية متعددة الأطراف.
*كذلك فإن تفسير تراجع الاهتمام الألماني بالسودان بعد تعثر المرحلة الانتقالية باعتباره دليلًا على ارتباط التحرك بمسار محدد، يتجاهل أن هذا التراجع كان دوليًا عامًا، لا ألمانيًا فقط. فقد انخفض الانخراط الدولي مع تعقّد المشهد السياسي، ثم تراجع أكثر بعد اندلاع الحرب، وأغلقت معظم الدول سفاراتها وغادرت بعثاتها الدبلوماسية لأسباب أمنية بحتة. وبالتالي فإن ما جرى لم يكن تحولًا ألمانيًا خاصًا، بل انعكاسًا لتغير البيئة الدولية تجاه السودان.
*أما إدخال العامل الإماراتي بوصفه دافعًا إضافيًا للتحرك الألماني، فيبدو تفسيرًا يفترض وجود علاقة توجيه مباشر لا تؤيده طبيعة صنع القرار الأوروبي. فالمؤتمرات الدولية التي تستضيفها دول أوروبية تُبنى عادة عبر مشاورات متعددة الأطراف تشمل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وشركاء دوليين، وليس عبر استجابة لطلب دولة بعينها. كما أن ألمانيا، بحكم وزنها السياسي والمؤسسي، لا تتحرك في ملفات بهذا الحجم بوصفها وكيلًا لدولة أخرى، بل ضمن رؤية أوسع تتصل بدورها الأوروبي.
*وفي المقابل، فإن القراءة الأكثر اتساقًا هي أن التحرك الألماني يأتي في إطار دور أوروبي جماعي يسعى إلى إدارة الأزمات الإقليمية عبر أدوات دبلوماسية وإنسانية، مع الحفاظ على حضور سياسي في منطقة ذات أهمية متزايدة. وهذا لا يعني بالضرورة امتلاك ألمانيا أجندة خفية، بقدر ما يعكس طبيعة الدور الأوروبي في التعامل مع الأزمات الممتدة.
*غير أن هذا لا يعني بالضرورة خلو مؤتمر برلين من الملاحظات أو النقد.
– نواصل –