آخر الأخبار

من رمسيس .. شكراً لمحركي القطار

بعد .. و.. مسافة

مصطفى ابوالعزائم

 

*حرصت كل الحرص على أن أخرج مبكراً على غير العادة في القاهرة ، من مقر سكني جهة الكوم الأخضر في منطقة الهرم،  لأكون شاهداً على حدث مؤثر تختلط فيه مشاعر الفرح بالدموع ، وتسابق الأشواق الخطى ، وذلك بإنطلاقة قطار المخابرات العامة السودانية – إن صحت التسمية – من محطة قطارات رمسيس في وسط القاهرة نحو مدينة أسوان في جنوب مصر، ومنها إلى المعبر بين السودان ومصر، لتنطلق الرحلة برعاية ودعم المدير العام لجهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، لتحمل أكثر من ألف مواطن سوداني، ضمن مبادرة العودة الطوعية الإختيارية للسودانيين إلى أرض الوطن.

*جاء في الأثر إن الفقر في الوطن غربة ، وإن المال في الغربة وطن ، ولكن ماذا سيكون الحال إذا إجتمع الفقر مع الغربة ، خاصة الغربة التي فرضتها الحرب اللعينة التي تدور في بلادنا منذ الخامس عشر من ابريل 2023 م ، بسبب تمرد مليشيا الدعم السريع.

*صحيح أن مصر دولة شقيقة وهي الأقرب إلى السودان من كل النواحي لكن الذهاب إليها إضطراراً يعني حملاً نفسياً غير ذلك الذي يحمله من يذهب إلى مصر طوعاً وإختياراً ، وهو متهيئ لذلك.

*أعرف مدى معاناة آلاف الأسر هنا ، وأعرف كما يعرف غيري مدى معاناة هذه الأسر مع رغبة أكيدة في العودة إلى أرض الوطن ، لكن العثرة التي تقف أمام الجميع هي تكلفة العودة التي تميت الرغبات وتقتل الأمل.

*صباح أمس السبت كان الآلاف من مسافرين ومودعين يتزاحمون في شارع رمسيس أمام محطة القطارات ، بعضهم لا يكاد أن يصدق انه سيكون في أرض الوطن خلال أيام قليلة ، بعد عجز عن تحقيق هذه الرغبة امتد لفترة طويلة ، شاهدت وشاهد الجميع ما كان يجري هناك ، دموع تسيل وأخرى حبيسة ، و إنفعالات لا يمكن السيطرة عليها.

*كان الحدث كبيراً ، شهده السيد سفير السودان في مصر سعادة الفريق أول ركن مهندس عماد الدين عدوي ، وعدد من المسؤولين بالسفارة السودانية إلى جانب ممثل جهاز المخابرات العامة ، ونفر كريم من رواد العمل الطوعي، وعدد من أهل الصحافة والإعلام ، وكثير ممن جاء يودع غيره ، أو جاء يستجلي الحقائق حتى يضمن مقعداً في رحلة قادمة.

*حقيقة لا يمكن وصف الذي حدث ، إذ ماذا يمكن أن تقول وأنت تشاهد داخل القطار رجلاً شيخاً في عقده السابع أو يزيد وهو مستلق على أرضية القطار لأنه لا يسطيع الجلوس وإلى جانبه بعض أهله يخففون عليه إحساس الوجع ، ومع ذلك ترتسم ابتسامة وضيئة مضيئة على وجهه.

*لا نملك إلا أن نتقدم بوافر الشكر والتقدير والاحترام وعظيم الإمتنان للسيد مدير عام جهاز المخابرات العامة ، السيد الفريق أول ركن أحمد إبراهيم مفضل ومعاونيه ، وللسيد السفير عماد الدين عدوي ومعاونيه وللجنة المشرفة على هذا العمل العظيم ، وللشباب الذين تطوعوا وقاموا بجهود جبارة في معاونة الذين شدوا الرحال إلى أرض الوطن .. ولا ننسى أن نقول بالصوت العالي : ” شكراً مصر حكومة وشعباً” فقد أثبتت مصر أنها بالفعل هي الشقيق الوفي ، ولن ينسى شعبنا من تسبب في مأساته ولا من وقف معه ولا من تخلى عنه.