آخر الأخبار

أطياف بيتٍ يسكنه الغياب

نوال أدريس – ليبية مقيمة في سلطنة عمان:

لم يكن ذلك البيت الذي يقابل بيتي مجرد بناء عادي.

كان شيئًا أثقل من الجدران، وأقرب إلى الذاكرة.

لطالما تمنيتُ أن يُهدم

أو أن أصحو ذات صباح فلا أجد له أثرًا،

أو يخبرني أحدهم أنه لم يكن هنا يومًا،

وأن كل ما رأيته… لم يكن سوى وهمٍ عابر

لكن الحقيقة كانت أقسى من كل ذلك

فالبيوت لا تختفي

هي فقط تفقد من كان يمنحها الحياة

ذلك البيت

كان بيت صديقتي

هادية

الهادئة اسمًا وروحًا،

الصغيرة عمرًا، الكبيرة قلبًا

كان لها إيمانٌ صادق

إيمانٌ يلامس إيماني،

وكأننا التقينا في نقطةٍ واحدة

لا فرق فيها بين عمرٍ أو تجربة،

بل بين قلبين يعرفان الطريق إلى الله

لم أشعر يومًا أنني أقوى منها،

ولا أنها أقل مني،

بل كنا… نسير جنبًا إلى جنب،

نُثبّت بعضنا،

ونستند إلى نفس اليقين

وكأن القدر جمعنا في تلك البقعة،

لا صدفةً عابرة،

ولا لقاءً عاديًا،

بل ترتيبًا إلهيًا دقيقًا

ليزيد في قلوبنا الإيمان،

ويُعلّمنا أن الخطوات التي نمشيها،

والأشخاص الذين نلتقيهم،

لم يكونوا يومًا محض صدفة،

بل كانوا دائمًا… من تدبير الله

رحلت منذ عام،

هي وزوجها،

في حادثٍ أليم… في شهر رمضان

ومنذ ذلك اليوم،

لم يعد البيت كما كان،

بل أصبح وجعًا مفتوحًا أراه كل صباح… وكل مساء

كان بيتها ملجئي،

زاويتي الآمنة،

المكان الذي أضع فيه أحلامي،

وأفراحي القليلة، وأوجاعي الصامتة،

وخيباتي التي أثقلت روحي

كنا نتحدث طويلًا

عن الأمومة التي حُرمنا منها،

عن الغربة التي أرهقت قلوبنا،

وعن خوفٍ صامت من الأيام القادمة

وكانت تقول لي دائمًا

“إن لم تتحقق أحلامنا في هذه الدنيا،

فالله لا ينسى أمنيات القلوب

وسيعوضنا عنها هناك

وكان في كلماتها… طمأنينة،

وكأنها ترى الحياة بعينٍ أوسع من عمرها

مرّ عام

وما زال البيت كما هو،

غصّة في صدري،

ووجعٌ لا يهدأ

أراه أحيانًا كقبرٍ مهجور،

يحرس ذكرياتي

وتحوّلت أمنيتي

من زواله،

إلى مجرد الراحة من رؤيته

لكن

لم يكن ذلك هو الوجع الوحيد

فبعد رحيلها،

حملتُ في داخلي وجعًا آخر،

وجعًا لا يُرى،

ولا يُفهم بسهولة

دخلتُ في فترةٍ قاسية،

تشبه الاكتئاب… وربما أشد،

كنت أتماسك أمام الناس،

وأتكسّر في داخلي بصمت

والأصعب

أنني واجهت كل ذلك وحدي،

دون أن يقف معي

من كنت أظن أنه لن يتخلى عني يومًا

وكان ذلك وجعًا آخر

لا يقل قسوة عن الفقد،

بل يضاعفه

إلى أن جاء ذلك المساء

خرجتُ

ولا أعلم لماذا،

ولا إلى أين كنت أمضي

كان الوقت قريبًا من أذان المغرب،

وليس من عادتي الخروج في هذا الوقت،

لكنني يومها

كنت فاقدة الإحساس بكل شيء

كنت أمشي بلا وعي،

وأبكي بلا صوت،

حتى وجدت نفسي

أمام ذلك البيت

وهنا

تداخلت الأوجاع في صدري،

حتى لم أعد أعرف لأيّهما أبكي

أمس

كنت أبكي ذلك البيت،

أبكيه لأنه لم يعد يحملها

واليوم

أبكي بيتي أنا،

وأبكي ذكرياتٍ سرقها الغدر،

وتركني أمام جدرانٍ

لا تشبهني كما كانت

وفجأة

رأيتها

امرأة تُخرج رأسها من خلف الجدار،

تنظر إليّ… وتبتسم

قالت

أمانة عليكِ… تعالي زوريني

ترددت

وقلت لها

هذا البيت يوجعني

لكنني أخبرتها

عن صديقتي،

عن رحيلها،

عن كيف أصبح هذا المكان

كالمقبرة في قلبي

وفي اليوم التالي

وجدتها مرة أخرى

لكن هذه المرة

توقفت

نزلت،

وسلّمت عليها،

ثم قلت لها بهدوء

تعالي أنتِ إلى بيتي

وسكتُّ لحظة

بيتي

الذي لم يعد بيتي الآن،

الذي حرمني منه الغدر والجحود،

كما حرما روحي

إحساسها بالحياة

ومنذ ذلك اليوم

أصبحت تأتي إليّ

وفي إحدى الليالي،

ذهبت معي إلى المسجد،

وصلّت إلى جواري

ومن خلال صلاتها،

وبساطة روحها،

شعرت بشيءٍ مألوف

شيء يشبه هادية

تعجبت

كيف

وبعد عامٍ من رحيلها،

وفي نفس المكان،

يعوضني الله بإنسانة

تشبهها في طيبتها؟

كيف يتحوّل المكان

الذي تمنيت زواله،

إلى بابٍ لعوضٍ لم أتوقعه؟

قالت لي يومًا

أنتِ العوض في غربتي

ابتسمت

وأنا التي كنت أبحث عن عوضي

عندها فقط… أدركت

أن رحمة الله

لا تأتي دائمًا كما نتمنى،

بل كما نحتاج… دون أن نعلم

ربما

ليست البيوت هي التي تُهجر،

بل نحن

حين نفقد من كان يمنحها الحياة

اللهم ارحم هادية،

واحفظ من جاء بعدها،

واربط على قلوبنا

حين تتزاحم فيها الذكريات،

ويثقلها ما لا يُقال