ظاهرة كارثية تهدد الزراعة النيلية بالولاية الشمالية(1-2)
- تداعيات بيئية تضرب الشريط النيلي بشمال السودان
- رمال كثيفة تقضي على الجروف النيلية من مروي حتى وادي حلفا
- إختفاء الطمي من ضفتي النيل أحال الجروف الخضراء إلى صحراء جرداء
- مزارعون يروون تفاصيل التحول المميت للتربة منذ فيضان 1946
حسينارتي – عادل الحاج:
منذ آلاف السنين ظل نهر النيل يمنح الحياة للقرى الممتدة على ضفتيه في شمال السودان حيث كانت الجروف الزراعية تتزين كل موسم بطبقات الطمي الداكنة التي يخلفها انحسار المياه فتتحول الأرض إلى بساط خصب يزرع فيه الأهالي الذرة والخضروات والفول ومعظم انواع البقوليات.. لكن منذ قيام سد مروي عام 2009 بدأ مشهد النهر يتبدل تدريجياً في عدد من المناطق الواقعة شمال السد وجنوبه.. إختفى الطمي الذي إعتاد الناس رؤيته كل عام وحلت مكانه تربة رملية فضية ناعمة لا تمسك الماء ولا تنبت الزرع.. ومع مرور السنوات تعاظمت شكاوى المزارعين من تراجع الإنتاج وتدهور خصوبة الجروف حتى أصبح السؤال الأكثر حضوراً في المجالس والأسواق: هل حجز السد الطمي خلفه؟ وهل دخلت الزراعة التقليدية او الجروف مرحلة الخطر؟.. التحقيق التالي يرصد شهادات ميدانية من المهتمين بالزراعة و المزارعين ويستعرض الرأي العلمي حول العلاقة بين السدود والطمي.. ويبحث عن مستقبل الزراعة النيلية بعد هذا التحول الكبير.
سد مروي:

يقع سد مروي على نهر النيل في الولاية الشمالية، واكتمل تشغيله عام 2009، ويُعد من أكبر المشروعات المائية في السودان، أُنشئ بغرض توليد الكهرباء وتنظيم تدفق المياه، ويبلغ إرتفاعه نحو 67 متراً، وشكل بحيرة ضخمة خلفه إمتدت عشرات
الكيلومترات.. ورغم الفوائد المرتبطة بالكهرباء والتنمية، إلا أن كثيراً من المجتمعات الزراعية بدأت تلاحظ تغيرات بيئية وهيدرولوجية في سلوك النهر بعد قيامه، من بينها إنخفاض الفيضانات الطبيعية وتراجع ترسب الطمي السنوي.
هذه العوالق ليست مجرد تراب يحمله النهر، بل هو خليط غني من المواد العضوية والمعادن الدقيقة التي تجرفها المياه من المرتفعات وتترسب على الضفاف عند إنحسار الفيضان وكان هذا الطمي يؤدي أدوارا حيوية، أهمها:
تجديد خصوبة التربة سنوياً، و تحسين قدرة الأرض على الإحتفاظ بالرطوبة، وتقليل الحاجة للأسمدة الكيماوية، ورفع إنتاجية المحاصيل، وتكوين طبقة زراعية متماسكة في الجروف.. ولهذا كان المزارعون ينتظرون الفيضان لا خوفا منه فقط، بل أملا في خيره.
ظاهرة كارثية:

في شهادة ميدانية تعكس حجم التحولات التي طرأت على الشريط النيلي، يقول المستثمر الزراعي، عبد الله عبد الرحمن سعيد، من منطقة حسينارتي، إن إنشاء سد مروي أحدث تغييرات بيئية عميقة، كان أبرزها إختفاء الطمي الخصيب الذي ظل يغطي ضفاف النيل والجزر الممتدة من مروي حتى وادي حلفا، على الضفتين الشرقية والغربية، خلال مواسم الفيضان.
وأوضح أن هذا التحول أفرز ظاهرة وصفها بـ(الكارثية)، تمثلت في زحف الرمال الكثيفة على الجروف الزراعية التي كانت تمثل مصدر رزق رئيسي للسكان، مضيفاً أن تلك الأراضي التي كانت تُزرع بمحاصيل الذرة الشامية (العيش الريف)، والذرة الرفيعة بأنواعها مثل (المقد)، إلى جانب اللوبيا والترمس والكبكبي والحلبة، تحولت إلى أراضٍ رملية جرداء فقدت قيمتها الإنتاجية.
وأشار، أن مياه النيل لم تعد كما كانت، إذ أصبحت أكثر صفاءً وتميل إلى الإخضرار، وهو ما إعتبره مؤشراً على ركود المياه وتزايد نمو الطحالب، محذراً من أن ذلك يمثل تحدياً بيئياً جديداً يضاف إلى تداعيات إختفاء الطمي.
وأضاف، عبد الله، أن هذه التغيرات أدت إلى إندثار الزراعة التقليدية التي كانت تعتمد على أدوات بسيطة مثل (السلوكة)، وهي آداة تراثية إرتبطت بنمط الزراعة على ضفاف النيل، مؤكداً أن هذا النمط الزراعي لم يعد ممكناً في ظل الواقع الجديد.. وإختتم حديثه لـ(أصداء سودانية) بقوله
سد مروي، رغم ما حققه من فوائد كبيرة، خاصة في مجال التوليد الكهربائي، إلا أن كلفته على صعيد الزراعة التقليدية كانت باهظة، حيث تكبد المزارعون خسائر كبيرة نتيجة هذه التحولات البيئية.. وسد مروي يعد من المشاريع التي تمثل ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية في السودان.. فنحن لا ننظر إلى مصالحنا الشخصية الضيقة، بل نضع مصلحة الوطن في المقام الأول، فالسودان يظل دائماً نصب أعيننا.. نبتهل إلى الله تعالى أن يحفظ البلاد من كل سوء، وأن يقيها شرور الدمار والتخريب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ظاهرة هيدرولوجية:

المهندس، ياسر الماحي حسن، المدير السابق لقسم الهيدروميكانيكا بسدي أعالي عطبرة وستيت، اوضح أن ترسّب الطمي خلف السدود يُعد ظاهرة هيدرولوجية طبيعية ومألوفة في معظم السدود الكبرى حول العالم، لافتاً أن الأنهار تحمل أثناء جريانها كميات كبيرة من الرواسب الدقيقة والطمي بفعل سرعة التيار وقوة إندفاع المياه، إلا أن هذه السرعة تنخفض بصورة كبيرة عند دخول المياه إلى بحيرة السد، فتفقد قدرتها على إبقاء الرواسب معلّقة، مما يؤدي إلى ترسبها تدريجياً في قاع البحيرة.. وأضاف:
هذه العملية،Sedimentation أو تتفاقم في الأنهار الغنية بالرواسب مثل نهر النيل وروافده، لا سيما خلال مواسم الفيضان.. وأشار إلى أن تراكم الطمي عبر السنوات قد ينعكس على السعة التخزينية للبحيرة وكفاءة التوربينات إذا اقتربت الرواسب من مآخذ المياه، فضلاً عن تأثيراته البيئية المرتبطة بحركة المغذيات والنظام البيئي النهري.. منبها إلى أن إحتجاز كميات كبيرة من الطمي داخل البحيرة يؤدي إلى تراجع وصوله بصورة طبيعية إلى الأراضي الزراعية الواقعة أسفل السدود، وهو ما ينعكس على خصوبة التربة التقليدية التي ظلت تعتمد لعقود طويلة على تجدد الطمي مع مواسم الفيضان.
فيضان 1946
يستعيد، دفع الله سيد أحمد محجوب، أحد وجهاء قرية حسينارتي، ذاكرة المكان بنبرة يغلب عليها الآسى، وهو يرسم ملامح التحول الذي أصاب حياة الأهالي عبر العقود.. يقول ان جزيرة حسينارتي التي نشأوا فيها كانت تمتد على مساحة تُقدّر بنحو ألف فدان، كلها صالحة للزراعة، يعتمد عليها السكان اعتماداً كلياً في معاشهم، غير أن فيضان العام 1946م شكّل نقطة تحول مفصلية، إذ غمرت المياه الجزيرة بالكامل، ما إضطر الأهالي إلى النزوح نحو الضفة الغربية للنيل، حيث وجدوا في الجروف الممتدة ملاذاً بديلاً أعاد إليهم شيئاً من إستقرارهم المعيشي، وهناك إزدهرت الزراعة مجدداً، فكانوا يزرعون الفول ب (السلوكة)، إلى جانب الذرة الشامية (العيش ريف)، ومحاصيل أخرى مثل المقد و الترمس والفاصوليا والكبكبي وغيرها من البقوليات التي شكلت عماد إقتصادهم المحلي.
لكن هذا التوازن الهش لم يصمد طويلاً، وفقاً لحديث، دفع الله محجوب، إذ بدأت ملامح التدهور تظهر بوضوح عقب قيام سد مروي وإفتتاحه رسمياً في العام 2009م، فقد أدى السد، بحسب إفادته، إلى إنحسار الطمي الذي كانت تحمله مياه النيل من الهضبة الأثيوبية، وهو الطمي الذي ظل لعقود يغذي التربة ويمنحها خصوبتها الطبيعية.. ومع إختفاء هذه الرواسب تدريجياً، تراجعت إنتاجية الأراضي بشكل ملحوظ، لتتحول الجروف التي كانت يوماً مصدر حياة إلى أراضٍ جرداء لا تصلح لزراعة أي محصول.. ويضيف:” الأوضاع إزدادت تعقيداً مع قيام سد النهضة في إثيوبيا، الأمر الذي فاقم من أزمة إنحسار الطمي.
ولا يقف الأمر عند حدود التربة فحسب، بل يمتد – بحسب روايته – إلى طبيعة النيل نفسه، إذ يشير إلى أن إزالة بعض الشلالات في مجرى النهر لتسهيل حركة البواخر أسهمت في إبطاء جريان المياه، لتصبح شبه راكدة في بعض المناطق، وهو ما إنعكس بدوره على الحياة النيلية، حيث تراجعت أعداد الأسماك وإختفت بعض الكائنات التي كانت تشكل جزءاً من النظام البيئي للنهر.. ويختتم محجوب حديثه لـ(أصداء سودانية)، بالتأكيد على أن ما تعيشه القرية اليوم يمثل (كارثة حقيقية) ظل الأهالي يرزحون تحت وطأتها لنحو 16 عاماً، منذ قيام سد مروي، في ظل تراجع مستمر لمصادر رزقهم التقليدية وغياب حلول تعيد للتربة خصوبتها وللنيل عافيته.