بعد إختفائه لسنوات طويلة الخناق.. يعود للسودان من جديد
- طفلة الجريف شرق (منه) أول ضحايا الديفتيريا
- طبيب وبائيات.. المرض غير خطير وقابل للعلاج فلا داعي للهلع
- إنتشار الجثث وإنقطاع التطعيم وتدني البيئة أسباب رئيسية لظهور المرض
- مواطنون إستخدموا العجين المُر وظهرة الملابس لإعتقادهم ان ما أصاب أطفالهم (اب عديلات)
- على السلطات الصحية والمواطنين تعلم الدرس من وباء حمى الضنك قبل تمدد وإنتشار الخناق
تحقيق ــ التاج عثمان
أخيرا إعترفت وزارة الصحة بظهور مرض الديفتيريا المعروف لدى المواطنين بـ(الخناق).. فما طبيعة هذا المرض؟.. ولماذا عاود الظهور في السودان بعد غيبة إمتدت لسنوات طويلة؟.. وما هي البكتريا المسببة له والعوامل التي ساعدت على ظهوره؟.. وما علاقة الجثث التي كانت ملقاة داخل شوارع وميادين وأحياء العاصمة الخرطوم بالإصابة به؟.. وما حقيقة الشائعة التي إنطلقت بالخرطوم ان المرض ليس ديفتيريا بل سحائي او مرض (اب عديلات)؟.. وهل الوضع الحالي للمرض يدعو للهلع الذي غذته الشائعات التي ملأت سماء العاصمة الخرطوم؟.. التحقيق التالي يسلط الضؤ على مرض الديفتيريا الذي ظهر مؤخرا بمنطقة الجريف شرق بشرق النيل عبر هذا لتحقيق
شاهد عيان:
إتصال هاتفي من الصحيفة بأحد سكان الجريف شرق بشرق النيل كشف المزيد من التفاصيل حول مرض الديفتيريا وأكد ظهور اعراض مرضية غريبة على عدد من أطفال المنطقة، تتمثل في حمى شديدة، وتورم في الحلق.. وأضاف المواطن، ونحجم عن ذكر إسمه حسب رغبته:
” الأعراض كانت غريبة بالنسبة لنا، حتى أن إبني الصغير ظهر له ورم خلف الأذنين فإعتقدت انه ما يسمى (اب عديلات)، حسب قول جدته والتي قامت بوضع كمية من العجين المُر على الورم، وبعض المواطنين إستعملوا ظهرة الملابس.. لكن لا العجين المُر ولا ظهرة الملابس لم ينفعا في تخفيف حجم الورم بل ساءت حالة الطفل كثيرا فحملته للمركز الصحي وبعد إجراء التحاليل المعملية قال الطبيب أنه مصاب بمرض الديفتيريا، وكتب له روشتة طبية تحتوي على بعض أنواع المضادات، وأخذت اتجول بين الصيدليات واحدة تلو الأخرى لكنني لم أجدها سوى في السوق الأسود بمبلغ كبير.. بعدها علمت ان عشرات الأطفال بالجريف شرق مصابون بنفس الإعراض التي إنتابت إبني وإتضح أنهم مصابون بالديفتيريا أيضا، توفيت منهم طفلة صغيرة تدعى (منه) ــ بكسر الميم ــ وكانت اول ضحايا الديفتيريا بمنطقة الجريف شرق.. ونخشى من إنتشار المرض بالمنطقة ومن ثم خروجه عن السيطرة ليعم أحياء الخرطوم لو لم تتدخل وزارة الصحة بسرعه لإحتوائه.. وليحفظ الله أطفالنا وكل أطفال السودان من هذا المرض”.
البكتريا الوتدية الخناقية:
حسب إعلام وزارة الصحة ولاية الخرطوم تم تسجيل 15 حالة ديفتيريا مؤكدة خلال إسبوع واحد منها ثلاث وفيات لأطفال بمنطقة الجريف شرق بشرق النيل.. نشير ان مرض الديفتيريا المعروف بـ(الخناق) عدوى بكتيرية تسببها بكتريا يطلق عليها علميا، (البكتريا الوتدية الخناقية)، وهو مرض شديد العدوي سريع الإنتشار ويصيب الجهاز التنفسي العلوي والجلد.. وفترة حضانته بين يومين إلى خمسة أيام، وأعراضه تتمثل في: حمى، قشعريرة، سيلان في الأنف، إلتهاب الحلق، سعال قوي يشبه صوت نباح الكلاب، أزيز عند التنفس، صعوبة في التنفس، بحة في الصوت، صعوبة الكلام وبلع الطعام نتيجة تورم الحلق، تورم شديد في الغدد الليمفاوية في الرقبة، غثيان وقيء.
اما العدوى فتنتقل عن طريق الإتصال المباشر مع المصاب، وملامسة الأشياء الملوثة بإفرازات المصاب، وإستنشاق رذاذ المصاب الناجم عن عطس او سعال المريض.. والوقاية من المرض تتمثل في تلقي اللقاح، والعلاج بإستخدام بعض المضادات الحيوية البكتيرية،مثل (البنسلين)، و(الإريثروميسين) التي تقضى على البكتريا الوتدية الخناقية المسببة للمرض.. بجانب إجراء بعض الإجراءات الإحترازية الوقائية خاصة التطعيم ــ إن وجد ــ وهو ضروري كما يقول أطباء الوبائيات خوفا من تفشي المرض على نطاق واسع، خاصة في ظل الظروف الإستثنائية التي تواجه السودان بسبب الحرب المتمثلة في إنهيار المنظومة الصحية، وتدهور البيئة التي تعاني كثيرا في مستوى النظافة.. مع ضرورة الإعلان الرسمي حول ظهور او تفشي المرض، وتوضيح طرق الوقاية ومواقع العلاج كما حدث اثناء تفشي حُمى الضنك، بجانب تشكيل لجنة قومية وولائية لتنسيق جهود المكافحة والوقاية والإمداد الدوائي.. والمرض يصيب بصورة أكبر النساء الحوامل والمرضعات في حالة عدم تلقيهن التطعيم اللازم او لتواجدهن في بيئة موبوءة بالمرض، وهن أكثر عرضة للإصابة بالخناق بسبب ضعف جهازهن المناعي وكذلك الأطفال.
وزارة الصحة الإتحادية:
قد يتسائل البعض: اين هو دور وزارة الصحة الإتحادية بعد ظهور الديفتيريا سريعة العدوى والإنتشار؟.. مصدر صحي رفيع المستوى أوضح للصحيفة ان وزارة الصحة السودانية ظلت تتعامل بجدية مع الأمراض التنفسية وإلتهابات الحنجرة، وقدمت قبل الحرب وبعدها خدمات التطعيم ضد الأمراض المختلفة بالمناطق الآمنة مثل الكوليرا وشلل الأطفال.. ولديها برامج صحية مختلفة مثل برنامج صحة الأم والطفل، وبرنامج الصحة الإنجابية، وبرنامج التحصين الموسع، وبرنامج الطوارئ الصحية.. وهذه البرامج مجتمعة ساهمت في الوقاية من الأمراض التنفسية وإلتهابات الحنجرة بما فيها مرض الخناق.. ويضيف المصدر مطمئنا المواطنين بقوله” عموما الديفتيريا ليست بالمرض الخطير وقابل للعلاج فلا داعي للهلع”.
الديفتيريا والجثث:

ولكن لماذا ظهر مرض الخناق مرة أخرى بعد أن إختفى من السودان لعقود طويلة؟.. مصدر صحي يعزي ذلك إلى إنهيار المنظومة الصحية وتدهور الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين بسبب الحرب المستمرة منذ ابريل 2023 بين الجيش والدعم السريع، مما تسبب في نقص الأدوية واللقاحات الأساسية المعروفة.. إلا ان أخطر العوامل التي تسببت في ظهور هذا المرض، كما يقول المصدر الصحي، هو إنتشار الجثث الملقاة في العراء وداخل الأحياء وغيرها لفترة طويلة خاصة أثناء حرب الخرطوم، بجانب الدفن العشوائي للجثث حتى داخل منازل المواطنين الذين منعتهم المليشيا ستر موتاهم بالمقابر بالطريقة الصحيحة الآمنة.. حيث يمكن ان تسهم الجثث الملقاة في العراء في إنتشار البكتريا المسببة للديفتيريا بواسطة تلوث البيئة حيث يمكن ان تلوث الجثث التربة والمياه والهواء بالبكتريا مما يزيد من خطر الإصابة بالمرض.. ويمكن ان تنتشر البكتيريا من الجثث إلى الأشخاص الذين يتعاملون معها او بلمسها.. ولذلك يجب دفن الجثث بشكل صحيح، وتوفير المياه الصحية للمواطنين، والتطعيم للأشخاص المعرضين للإصابة لمنع إنتشار المرض.
ديفتيريا ام سحائي؟:
مع ظهور الأوبئة دائما ينسج حولها بعض الشائعات دون التأكد من وجهة نظر الأطباء المختصين، حيث إنطلقت شائعة بالخرطوم ان المرض الذي ظهر بالجريف شرق بشرق النيل ليس ديفتيريا بل سحائي.. أحد أطباء الوبائيات ينفي ذلك مفسرا:
“أوكد ان المرض الذي ظهر بالجريف شرق هو مرض الديفتيريا وليس سحائي كما أشارت الشائعة، أجل هناك تشابه في بعض الأعراض والخصائص بين مرض الديفتيريا المعروف بـ(الخناق)، ومرض إلتهاب السحايا المعروف بـ(السحائي)، منها الحمى الشديدة، والغثيان، والقيء، والصداع الحاد، والتعب العام.. وتتشابه خصائص المرضين في العدوى البكتيرية، والإنتقال عن طريق الرذاذ التنفسي، والخطورة على حياة المريض إذا لم يتم علاج المرضين بشكل سريع وفوري.. اما الفرق بين المرضين فإن الديفتيريا تسببها (بكتريا الوتدية الخناقية)، بينما السحائي تسببه (بكتريا السحايا).. كما ان الديفتيريا لديها أعراض خاصة بها مثل ظهور غشاء رمادي او ابيض اللون على الحلق او اللوزتين، بينما الأعراض الخاصة للسحائي تتمثل في تصلب الرقبة والخوف من الضوء”.