آخر الأخبار

 فتيات (التيك توك)

قصة قصيرة

ريما آل كلزلي – سورية مقيمة في السعودية:

لا يمكنني نسيان يوم الثالث عشر من فبراير، رغم أنني بالكاد أتذكّر تفاصيله الآن. كان يصرّ على أن نلتقي للمرة الأولى قبل موعد زفاف أختي الكبرى بيومين. أشياء كثيرة حدثت وتراكمت فوق بعضها في دفاتر التواريخ التي أحتفظ بها، أو بالأحرى، التي كانت توثق حياتي حين كنت أعتقد أنها حياة تستحق التوثيق.

كنت مهووسة بالتواريخ، أتعامل معها كأنها دبابيس ملونة أثبتها على خريطة حياتي. في دفتري التيفاني، الذي يُغلَق بمغناطيس صغير وشريحة معدنية، كنت أكتب كلّ حدث أعتقد أنّه يستحق البقاء، بدءاً من يوم تخرّجي من الجامعة، الذي كنت أحتفل فيه كل عام على أمل أن تأتي الوظيفة التي لم تأتِ حتى بعد مرور تسع سنوات. كنت أكتب كل شيء بخط عريض وواثق، أكتب لأني أعتقد أن هناك قارئاً ينتظر ما سأكتب.

لكن الثالث عشر من فبراير لم يكن فقط يوماً عادياً. لقد أنهيت فيه مجموعتي القصصية الأولى. أتذكر كيف كنت أكتب على قصاصات ورقية بعضها مقطوع من دفتر وبعضها من لواصق ملاحظات، اعتبرتها مسودة. أكتب في كل مكان أستطيع أن أجد فيه مساحة من الوقت، وفي المساء حين أعود إلى غرفتي أنسخها بخط جميل على دفتري التيفاني. كتبت قصة وأنا مستندة على لوح رخام في المطبخ، بينما كان أطفالي الثلاثة يعبثون بأطباقهم ينتظرون طعامهم. ومرة كتبت مقدمة رواية في ممر ضيق أمام غرفة العلاج الإشعاعي في مشفى الشميسي جنوب الرياض، حيث كانت أمي تتلقى فيه جلساتها الأخيرة. كنت أحمل كوب قهوة مُرّة جدًا، لكنه كان جزءًا من طقوسي ككاتبة، فقد قرأت في لقاءات لكتّاب كبار أن هذه إحدى أهم عاداتهم. لاحقاً كتبت رواية وجودية. أذكر كيف أنهيت الفصل الأول بشغف وعزيمة. شعرت وقتها أنني أضع لِبنة في مبنى عظيم سيكتب عنه النقاد يوماً. كنت أؤمن بها حقاً، برغم أنني عندما قرأتها لاحقاً سخرت من نفسي،  فقد كان الفصل الأول أقرب إلى كتابة طالب يحاول تقليد دوستويفسكي.

الثالث عشر من فبراير أيضاً، كان ذكرى زواجي من الرجل الذي أحببته واعتبرته الشيء الوحيد الذي اخترته في حياتي. أذكر أنني كنت أبتسم طوال الوقت في الحفل البسيط الذي أقيم لنا آنذاك. وكنت أرتدي ابتسامتي تلك، ليس تعبيرا عن سعادتي، وليس لإيماني بأن الابتسامة في الصور العائلية تمنح الذكريات نكهة أجمل، بل لأن أمي كانت ترمي الشوكولا والسكاكر على الناس بروح قروية عفوية، بينما كنت أحاول إخفاء خجلي من تصرفها بتوزيع ابتسامات واسعة هنا وهناك. وهذا ما أوقعني في مأزق محرج حين همس في أذني: ألهذه الدرجة أنت سعيدة بي؟.

وفي عام آخر لذات التاريخ، ولأن الألم يجعل الذكريات عالقة بنا إلى حد أعمق، كنت أتذكر وفاة أمي. يومها خرجت إلى البحر وجلست أنظر إليه آملة أن أكتب. كان هائجاً كمقطوعة موسيقية غاضبة. أردت أن أكتب عن شيء ما، عن هياج البحر، عن حسرة النّهر حين تخذله منابعه فيجف، وكيف يظل رغم ذلك يزحف بصمت، عن أمي، وطفلتي التي ورثت ملامحها، وعن كل شيء تراه عيني، لكني لم أكتب عن أيّ شيء من ذلك.

كل هذه التواريخ كانت محفورة في ذاكرتي، كأنها آثار نقش مسماري على صخور حياتي. أسجلها في دفاتري، وأكتب عنها مقالات طويلة، أرسلها إلى مجلات أدبية لا ترد أبداً. كنت أؤمن أن الجدية هي أثمن ما يمكن للإنسان أن يمتلكه، وأن الحقيقة يجب أن تُستشف من خلال الكلمات.

 

ولكن شيئاً ما تغيّر. لا أذكر متى أو كيف بالتحديد، لكنني وجدت نفسي أتصفح “تيك توك”، ربما بدافع الفضول، أو هرباً من ألم الذكريات. في البداية كنت أسلّي نفسي. وفي يوم ما، لا أذكر تاريخه، تعرفت على مجموعة من الفتيات عبر هذه المنصة. لم أكن أتوقع أن ينتهي بي الحال جالسة معهن في (لاونج) شمال الرياض، حيث اجتمعنا لأول مرة في لقاء أشبه بالعبث.

جلسنا على كراسٍ مخملية بألوان زاهية، نضحك بصوت عالٍ، بينما يلتقطن صوراً بكاميرات هواتفهن التي تفوق راتب زوجي لمدة عام. كنّ يرتدين عباءات أنيقة، ويتحدثن عن أشياء كنت أعتبرها تافهة : آخر صيحات الماكياج، مغامرات التجميل الفاشلة، و أسعار حقائب اليد الفاخرة التي تعادل قيمة سيارة صغيرة ومجموعة ألعاب للأطفال. كانت حواراتهن تكرّر نصائح مأخوذة من (تيك توك) يطبقنها بالحرف، بينما أستمع إليهن بصمت، أضحك أحياناً، وأقول لنفسي: برغم أنها تفاهات، لكنها متعتها أنها تنسينا الألم أحياناً

مع الوقت وجدت نفسي أكتب عنهن. ليس بدافع الإعجاب، ولا أعرف إن كان نوعاً من السخرية، أو ربما كتمرين على الكتابة السريعة التي لا تستدعي توتراً وجودياً، أو تأملاً عميقاً. كنت أصف ضحكاتهن وخفة حضورهن، سخافة أحاديثهن العابرة، وحتى حماسهن عندما تجذبهن قصة أو “بوست”معين. لم أكن أتصوّر أن هذه القصص ستلقى أي صدى. لكنها انتشرت، فصار لدي متابعون. حتى المجلات الأدبية التي تجاهلتني لسنوات بدأت تطالبني بالمزيد

الغريب أنني لا أذكر تاريخ أول لقاء لنا في ذلك (اللاونج). لم أسجله في دفاتري، ولم أعتبره مهماً وقتها. لكن الآن، كلما عدت بذاكرتي إلى تلك الجدية القديمة التي كنت أعيشها، أضحك بصوت عالٍ، وأقول لنفسي: ربما كان الثالث عشر من فبراير هو البداية. أو ربما كان مجرد يوم آخر عادي، مثل كل الأيام التي نعتقد أنها مهمة، لكنها في الحقيقة عادية.