
شراء النجاح
خارطة الطريق
ناصر بابكر
. كرة القدم تبقى هي اللعبة نفسها في كل مكان بالعالم من حيث متطلبات النجاح، إذ أن الطريق الذي يقود لتحقيق الأهداف واضح، والطريق الذي يقود إلى الفشل واضح، وهو وضع لا تختلف فيه دول العالم الأول كرويا، عن دول العالم الثالث، إذ أن الفعل الصحيح يقود للنجاح في كل مكان مهما اختلفت درجات الجودة وتفاوتت، والنهج الخاطئ يقود للفشل في أي مكان.
. لذا تجد أن أندية كبيرة في أقوى دوريات العالم فقدت بريقها لسنوات طويلة، ووصلت في مواسم مرحلة مواجهة خطر الهبوط، وذات الأمر بالنسبة لأندية عريقة في أفريقيا، وفي مختلف أرجاءها، ومن يتوقف عند تلك التفاصيل، يصل لقناعة، أن الكبير لا يكون كبيرا بإسمه، وإنما بفعله، ودرجة جودة تخطيطه، ومتى ما تخبط وانحرف عن جادة الطريق، فإنه يجد نفسه في وضع لا يحسد عليه.
. الأندية التي تخطط لنجاح مستدام، تصبح بموجبه (أندية بطولات قادرة على المنافسة على البطولات في كل مكان وزمان وتكون انتكاساتها مجرد استثناءات وفترات عابرة والأصل لديها هو الألقاب)، هي الأندية التي تهتم بالبناء المؤسسي، للنادي كتشريعات ونظام حكم ولوائح تطبق على أرض الواقع، مع احتراف حقيقي في الممارسة الإدارية، يؤسس لنجاح رياضي مستدام، يقوم على هوية ثابتة يؤسس لها من خلال الأكاديميات أو فرق النادي السنية، أو معايير ثابتة في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بفريق كرة القدم الأول، الذي يسير وفق خطط مكتوبة لا مكان معها للمزاجية والأراء الشخصية التي لا تستند إلى مرجعية محددة.
. أما الأندية التي تنشد صناعة فريق قوي يمكن أن يحقق نجاحات، دون مرور عبر الأكاديميات وفرق النادي السنية، فإن نجاحاتها يصعب أن تكتسب الاستدامة، لكنها يمكن أن تحقق نجاحات عابرة من خلال تكوين هيكل قوي، عبر التعاقد مع لاعبين، والصبر عليهم لسنوات، ليشكلوا عمود فقري، يستند عليه الفريق، مع تكملة النواقص تدريجيا، وبمرور السنوات يتحول هذا الفريق إلى قوة.
. تلك النقاط تمثل مفاتيح النجاح سواء المستدام أو حتى العابر، وحتى المنتخبات التي تشترك في إنها يتم تشكيلها وتجميع لاعبيها قبل المباريات بأيام معدودة، ولأهمية وجود صيغة تفاهم قوية في تحقيق النجاح، باتت أغلب الإتحادات التي تجيد التخطيط، تتبع واحدا من ثلاث طرق، فإما عمل فلسفة لعب وطنية موحدة (دي إن أي) تطبق في كل المراحل، وبالتالي حينما يتم استدعاء اللاعبين للمنتخب الوطني، تكون فلسفة اللعب المشتركة والمعلومة بمثابة قاسم مشترك يسهل التجانس ويساعد على امتلاك منتخب قوي، بينما لجأت اتحادات لنهج مشابه وقريب، وايضا يرتبط بالأكاديميات والفرق السنية، بحيث يتم تجهيز لاعبين من سن صغيرة وعبر منتخبات الناشئين ثم الشباب ثم الأولمبي لضمان اللعب معا لفترات طويلة قبل وصول جلهم للمنتخب الأول.. أما الإتحادات التي لم تتجه لهذا الطريق أو ذاك، فيحرص الكثير منها على أن يكون العمود الفقري للمنتخب من فريق واحد أو فريقين، لضمان أكبر قدر من التجانس.
. وان كانت المنتخبات، التي تشترك كما هو معلوم في قصر فترات تجمعها قبل المباريات، تحرص بشدة على البحث عن صيغة تجانس وانسجام، فإن ذلك يعني ببساطة أن الانسجام والتجانس هو مفتاح نجاح الأندية، لذا تتجه بعضها للإهتمام بالعمل القاعدي والأكاديميات والفرق السنية بحثا عن النجاح المستدام من خلال تواصل الأجيال في الفريق الأول لسنوات طويلة، وبعضها الآخر لبناء هيكل ثابت على مدار سنوات ومنحه الاستمرارية لعمل هوية والبناء عليها في الإنتدابات.
. العمل القاعدي بطبيعة الحال مفقود في السودان، لذا فإن البطولة القارية الوحيدة التي تحققت للمريخ في عام 1989، تحققت من خلال الهيكل الثابت والعمود الفقري الذي بدأ المريخ تشكيله منذ العام 1977 والذي قاد الأحمر للقب سيكافا الأول 1986 ثم كأس الكؤوس الأفريقية، بمدرب حسب روايات، لم يكن من هواة كرة القدم بشكل أساسي ولم يواصل في العمل في مجال التدريب بعد المريخ رغم صغر سنه، ما يعني أن قوة الهيكل ودرجة التجانس والتناغم صنعت الفارق للمريخ.
. في العام 2003، وبعد مجزرة شطب، مر المريخ بفترة عدم توازن طويلة، استمرت لسنوات، لكنه بلغ نهائي الكونفدرالية 2007، بمزيج وقتها بين عناصر يقودها فيصل عجب، وبهاء الدين وأمير دامر وسفاري وموسى الزومة وقلق والسعودي ممن لعبوا للمريخ لسنوات، مع عناصر خبرة كبيرة ولعبوا معهم في المنتخب لسنوات مثل مجاهد القدال وطمبل بالإضافة لأجانب أصحاب خبرات كبيرة بقيادة كابتن توغو في مونديال 2006 أبالو بالإضافة لايداهور وايفوسا الذين كانوا في نهائي الكونفدرالية 2006 وبالتالي لعبوا الكثير من المباريات الإفريقية على صعيد بطولات الأندية ويمتلكون خبرتها، بجانب صانع الألعاب البرازيلي الساحر باولينو.
. في 2008، تواصل العمل مع جل العناصر، رغم اختلاف أفكار المدير الفني من هجومية أوتوفيستر لدفاعية كروجر لكن مزيج الهيكل والعمود الفقري مع جودة الأجانب وخبراتهم ووجود أساس متين مكن من تقديم موسم أفريقي مميز، لكن خطأ نهاية الموسم تمثل في قرار إداري مخالف لرؤية الطاقم الفني تعلق بالمشاركة في البطولة العربية نهاية الموسم رغم حاجة اللاعبين للراحة، أدى لأضرار كبيرة بموجة إصابات لأغلب العناصر المؤثرة في 2009، ثم إقالة غير موفقة لكروجر، ومع ذلك واستنادا لوجود عمل تراكمي، بلغ المريخ مجموعات دوري الأبطال لكنه ظهر فيها بوجه شاحب بسبب إقالة أخرى خاطئة وغير موفقة للكرواتي رادان بسبب خسارة نهائي سيكافا 2009 رغم أن المدرب اشترط قبلها التعامل مع البطولة كإعداد فقط للمجموعات، وتراكم القرارات الخاطئة أدى لخروج المريخ مبكرا في عامي 2010 و 2011.
. بعدها كانت العودة لنصف نهائي الكونفدرالية 2012 بتوليفة أيضا ضمت مزيج بين العمود الفقري مثل سعيد والشغيل والباشا وبله جابر وراجي وقلق بالإضافة لمصعب عمر وأكرم بجانب محترفين مثل كلتشي والحضري وباسكال وليما وساكواها وأيدكو.
. الهزة الإدارية أدت لخروج المريخ من التمهيدي في 2013، ثم غادر من التمهيدي في 2014 رغم المعسكر العالمي في الدوحة ومواجهة نخبة أندية العالم، لكن الفريق تمكن في العام ذاته من الفوز بسيكافا، ثم وصل نصف نهائي الأبطال في 2015، ووقتها أيضا كان يضم عمود فقري مثل رمضان وأمير والعائد علاء الدين يوسف ومصعب عمر وضفر وراجي بجانب لاعب صاحب خبرة كبيرة مثل بكري المدينة، وأجانب بقيادة صاحب الخبرة الثرة أيمن سعيد، وجابسون وجمال سالم، وتراوري وكوفي وأوكرا ثم ديديه ليبري.
. التسلسل أعلاه، يثبت أن وجود عمود فقري في التوليفة، وعناصر خبرة من الوطنيين والأجانب، مع عمل تراكمي لسنوات حتى مع الهزات التي صاحبته، كان قاسما مشتركا في تلك النجاحات، والتي أتت متفرقة بسبب الهزات الإدارية المستمرة.. وحتى الفترات التي شهدت بعض النجاحات بعدها مثل بلوغ نصف نهائي البطولة العربية، فإن المفتاح الرئيسي تمثل في وجود عمود فقري للتوليفة وعناصر خبرة مع استقرار فني لعام ونصف بعد التمسك بإستمرار الزلفاني رغم نتائج المريخ في الممتاز الذي فاز به لاحقا عبر “كاس” ورغم الخروج الأفريقي المبكر، كما أن المنع من التعاقدات في 2018 كان خدم المريخ، خدمة كبيرة، بعد أن ساعد على إستمرار مجموعة مقدرة من اللاعبين في الكشف لفترة طويلة، فكان نتاج ذلك ألقاب ممتاز متتالية مع تفوق كبير في مباريات القمة من 2019_2022، رغم تغيير المدربين المستمر في تلك الحقبة، لكن وجود الهيكل الثابت والعمود الفقري ساعد المريخ كثيرا، حتى في بلوغ مجموعات الأبطال ثلاث مرات متتالية، تم بعدها التدمير الأسوأ في تاريخ النادي، بسلسلة إحلال وابدال تجاوزت 120 لاعبا في ظرف أربع سنوات، وتفريغ الفريق من لاعبي الصف الأول والثاني والثالث، وحشده باللاعبين الجدد، في ظل توقف للنشاط منذ الحرب، وهو توقف دمر القدرات البدنية وتبعا لها الفنية للاعبين الوطنيين.
. في عالم كرة القدم، سواء في أوروبا أو أفريقيا، في أسبانيا وإنجلترا، أو موريتانيا ورواندا، فإن الإستمرارية تصنع فرقا كبيرا، ومن الصعب لنادي عمره أشهر في البناء، أن يتفوق على أندية بعضها يبني منذ ثلاثة أعوام وبعضها منذ خمسة، وبعضها يملك بناء مستدام عبر أجيال تسلم أجيال، وبعضها يتميز بالعمل القاعدي، وجودة التأسيس وثبات الهوية، ومن كان يعتقد أن شراء لاعبين من مختلف الدول لا يوجد بينهم رابط فلسفة لعب معينة أو هوية معينة، وجمعهم في فريق لم يعد يملك هوية أو هيكل ثابت أو عمود فقري، أو حتى أساس بدني أو فني أو تكتيكي، يعني امتلاك فريق قوي وتنافسي في ظرف أشهر، أو حتى عام، فهو يحتاج لمراجعة المعايير التي تفصل بين النجاح والفشل في كرة القدم، ولو كان النجاح يُشتّرى بتلك السهولة، (ما كان حد غلب) ولأمتلك أي نادي يملك المال فريقا فائزا في أيام.
. النجاح يُبنى ولا يشترى.