
السودان بين تحييد الجغرافيا وصراع الممرات… قراءة في الأبعاد الإقليمية للحرب
عمرو خان
*في قراءة تتجاوز السطح العسكري المباشر للحرب في السودان، تبرز فرضية شديدة الحساسية: أن ما يجري ليس فقط صراعًا على السلطة بين مكونات عسكرية داخلية، بل جزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا الاستراتيجية في الإقليم، وتحديدًا تحييد السودان عن أن يكون منصة أو نقطة ارتكاز في أي صراع محتمل في الخليج أو البحر الأحمر.
*هذه الفرضية، وإن بدت للبعض أقرب إلى التحليل الاستراتيجي المركّب، إلا أنها تكتسب وجاهتها من طبيعة الموقع الجغرافي للسودان، الذي يُعد من أكثر المواقع حساسية في الإقليم.. فالسودان يمتد بساحل طويل على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يشكل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية والطاقة، ويرتبط بشكل مباشر بأمن الخليج العربي، خاصة في ظل التوترات المتكررة في مضيق هرمز وباب المندب.
*من هذا المنطلق، يصبح السؤال: هل يمكن أن تكون الحرب في السودان قد ساهمت – بقصد أو بدون قصد – في تعطيل إمكانية توظيف هذه الجغرافيا في صراعات إقليمية أوسع؟
للإجابة، يجب أولًا فهم أن الجغرافيا في الصراعات الحديثة لم تعد مجرد مسرح للأحداث، بل أصبحت أداة استراتيجية بحد ذاتها. فالدول الكبرى والإقليمية تسعى دائمًا إلى تأمين خطوط الإمداد، وضمان السيطرة على الممرات البحرية، ومنع الخصوم من استخدام مواقع جغرافية حساسة كنقاط انطلاق لعمليات عسكرية أو لوجستية.
*في هذا السياق، كان السودان – قبل اندلاع الحرب – مرشحًا للعب أدوار متعددة، بعضها اقتصادي (مثل الموانئ والاستثمارات)، وبعضها أمني (من خلال اتفاقيات عسكرية أو قواعد محتملة على البحر الأحمر). وقد شهدت السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا من قوى إقليمية ودولية بالساحل السوداني، سواء عبر مشاريع استثمارية أو تفاهمات أمنية، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية هذه الجغرافيا.
*لكن مع اندلاع الحرب، تغيرت المعادلة بشكل جذري. فقد تحولت الدولة إلى ساحة صراع داخلي، وانشغلت القوى المحلية بمعارك البقاء، مما أدى إلى تراجع قدرة السودان على لعب أي دور إقليمي فاعل. وبهذا المعنى، يمكن القول إن الجغرافيا السودانية قد تم “تحييدها” فعليًا، ليس عبر اتفاق سياسي أو قرار استراتيجي، بل نتيجة حالة الانهيار الداخلي.
*غير أن هذا (التحييد) يطرح تساؤلات أكثر تعقيدًا: هل هو نتيجة عرضية للحرب، أم أنه يخدم مصالح قوى إقليمية ودولية تفضل بقاء السودان خارج معادلات التوازن في البحر الأحمر؟.
*هناك من يرى أن تعدد الفاعلين الخارجيين في الأزمة السودانية، وتضارب مصالحهم، قد أدى إلى حالة من (التوازن السلبي)، حيث لا يرغب أي طرف في حسم الصراع لصالح طرف آخر، خوفًا من أن يؤدي ذلك إلى تمكين جهة معينة من السيطرة على الساحل السوداني واستخدامه بما يتعارض مع مصالح الآخرين. وفي هذه الحالة، يصبح استمرار الصراع – رغم كلفته الإنسانية الهائلة – أداة غير مباشرة لضمان عدم استقرار الجغرافيا، وبالتالي عدم توظيفها عسكريًا
*في المقابل، يرى اتجاه آخر أن هذه القراءة قد تبالغ في إضفاء الطابع الجيوسياسي على صراع له جذور داخلية عميقة، تتعلق ببنية الدولة السودانية، وتاريخ الصراعات بين المركز والهامش، وتعدد مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية. ووفق هذا الرأي، فإن الحرب هي في جوهرها نتيجة تراكمات داخلية، وأن أي تأثيرات إقليمية هي لاحقة وليست سابقة.
*لكن حتى في هذا الإطار، لا يمكن إنكار أن الصراعات الداخلية في الدول ذات المواقع الاستراتيجية غالبًا ما تتحول إلى نقاط جذب لتدخلات خارجية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. فالجغرافيا لا تفقد قيمتها بسبب الحرب، بل على العكس، قد تصبح أكثر أهمية، لأنها تتحول إلى فراغ استراتيجي يسعى الجميع إلى ملئه أو على الأقل منع الآخرين من السيطرة عليه.
*ومن هنا، يمكن فهم الحرب في السودان كجزء من مشهد أوسع، تتقاطع فيه العوامل الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية. فالسودان، بحكم موقعه، لا يمكن عزله عن معادلات الأمن في البحر الأحمر والخليج، حتى لو بدا في لحظة ما غارقًا في صراعاته الداخلية.
*في النهاية، ربما لا تكون هناك إجابة قاطعة على فرضية “تحييد الجغرافيا”، لكنها تظل مدخلًا مهمًا لفهم أبعاد الحرب بعيدًا عن اختزالها في صراع ثنائي على السلطة. فالحروب في هذا العصر نادرًا ما تكون محلية بالكامل، والجغرافيا – خاصة في مناطق مثل البحر الأحمر – تظل لاعبًا صامتًا لكنه حاسم في تحديد مسارات الصراع.
*وإذا كان السودان اليوم يعيش حالة من الانهاك، فإن السؤال الأكبر الذي يلوح في الأفق هو: ماذا سيحدث عندما تنتهي الحرب؟ هل ستعود الجغرافيا السودانية لتلعب دورها الطبيعي في معادلات الإقليم، أم أن عملية (تحييدها) ستستمر بأشكال جديدة، أكثر هدوءًا وأقل دموية، لكنها لا تقل تأثيرًا؟.
*كاتب صحفي مصري