آخر الأخبار

بطاقة الصحفي السوداني… بين شرف المهنة واختراق المليشيا

صداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*لم تعد قضية سجل الصحفيين السودانيين شأناً نقابياً محدود الأثر، ولا مجرد خلاف حول شروط القيد والتجديد، بل أصبحت ـ منذ اندلاع حرب أبريل 2023 م ـ جزءاً مباشراً من معركة السودان الكبرى: معركة الدولة والوعي والهوية الوطنية.

*فالحرب التي فجّرتها المليشيا المتمردة الإرهابية (الدعم السريع) لم تُخَض بالسلاح وحده، وإنما فُتحت لها جبهات أخرى لا تقل خطورة، وفي مقدمتها جبهة الإعلام، حيث تُدار الحملات النفسية، وتُصنع الروايات، وتُستهدف الروح المعنوية للشعوب بالكلمة والصورة والشائعة والتضليل المنظم.

*لقد كشفت هذه الحرب اختراقاً مقلقاً للجسم الصحفي السوداني، تمثل في بروز منصات وأسماء ترتدي عباءة الصحافة بينما تؤدي عملياً أدواراً دعائية وسياسية تخدم المليشيا المتمردة الإرهابية ( الدعم السريع ) ومشروعها التخريبي.. ولم يعد الأمر مجرد اختلاف في المواقف أو تباين في الرؤى السياسية، بل تحول في كثير من الأحيان إلى تبنٍّ صريح لخطاب يستهدف الدولة السودانية ومؤسساتها وقواتها المسلحة ونسيجها الاجتماعي.

*بعض هذه المنصات تجاوز حدود الانحياز السياسي إلى التحريض المباشر، وبث خطاب الكراهية، وتبرير الجرائم والانتهاكات، والتشكيك الممنهج في مؤسسات الدولة، والعمل على إنهاك المجتمع نفسياً عبر حملات منظمة من خارج البلاد  للتضليل وتزييف الحقائق. وهنا تتحول الكلمة من رسالة تنوير إلى أداة هدم، ويتحول الإعلام من سلطة رقابية إلى جزء من ماكينة  تدمير السودان.

*والأخطر من ذلك أن عدداً من هذه المنابر ظهر فجأة بإمكانات مالية وتقنية ضخمة لا تتناسب إطلاقاً مع تاريخها المهني أو قدراتها الطبيعية.. غرف بث حديثة، حملات رقمية واسعة، إنتاج إعلامي عالي التكلفة، تمويل إعلاني كثيف، وتنقلات خارجية مستمرة، في وقت توقفت فيه مؤسسات إعلامية وطنية عريقة عن العمل  ، وعجزت المؤسسات الإعلامية العامة.. وسيطرت عليها فئة كتبت على نفسها الوطنية  وحرمت الآخرين من حقهم وحينما تنصحهم وتدعوهم لتغيير هذا الفعل  يعتبرون ان الامر استهدافا لهم  وكثير من الصحفيين الحقيقيين  يعيشون اوضاعا مأساوية وظلوا طيلة سنين الحرب في ام درمان وفي ولايات السودان الأخرى ولكنهم عجزوا عن توفير الحد الأدنى من متطلبات المهنة والحياة.

*ولذلك فإن الحديث عن التمويل الخارجي لم يعد ضرباً من الظنون أو الاتهامات السياسية، بل أصبح واقعاً تفرضه الوقائع اليومية ومسار الأحداث نفسه.. فالدعم الذي تتلقاه المليشيا المتمردة الإرهابية لم يعد خافياً على أحد، كما أن الأدوار التي تلعبها بعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها دولة الإمارات، باتت حاضرة في المشهد السوداني بكل تعقيداته السياسية والعسكرية والإعلامية. ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الدعم على المنصات الإعلامية المرتبطة بالمليشيا وخطابها السياسي والدعائي.

*إن أخطر ما أفرزته الحرب هو هذا الخلط المقصود بين الصحفي المهني، والناشط السياسي، والمروج الدعائي، وصانع المحتوى المرتبط بغرف التعبئة الإعلامية.. فبعض الذين يقدمون أنفسهم في الخارج لا يمارسون عملاً صحفياً مهنياً بقدر ما يتحركون ضمن شبكات تأثير وتوجيه سياسي وإعلامي مرتبطة بأجندات المليشيا المتمردة الارهابية . واستمرار وجود مثل هذه العناصر داخل السجل المهني يمنحها غطاءً تستخدمه للحصول على المنابر والعلاقات والدعم تحت اسم الصحافة السودانية.

*ومن هنا يصبح تنقيح سجل الصحفيين ضرورة وطنية ومهنية لا يمكن تأجيلها، لكن بشرط أساسي: أن يتم ذلك وفق معايير مهنية وقانونية واضحة، لا بروح الانتقام أو الإقصاء السياسي. فالفرق كبير بين صحفي يمارس حقه في النقد الوطني المسؤول مهما كان حاداً، وبين من يوظف العمل الصحفي غطاءً للتحريض والتضليل وخدمة مشروع مسلح يستهدف الدولة والمجتمع.

. *ان التجارب كلها تؤكد أن استقلال المهنة القائم على القانون المسؤول هو الضمان الحقيقي لبقائها قوية وقادرة على أداء دورها الوطني.

*المطلوب اليوم الترتيب لانتخاب مجلس واتحاد مهني وطني مستقل لإدارة سجل الصحفيين، يضم شخصيات مشهود لها بالنزاهة والخبرة والاستقلالية، بعيداً عن نفوذ الأحزاب ومراكز المصالح. مجلس واتحاد يضع تعريفاً واضحاً للصحفي المحترف، ويؤسس معايير شفافة للقيد والتجديد تستند إلى الإنتاج المهني الحقيقي، والتدريب، والالتزام بميثاق شرف يجرّم التحريض والكذب المتعمد وخطاب الكراهية، ويحمي في الوقت نفسه حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات.

*لكن تنقيح السجل وحده لن يكون كافياً ما لم يكن جزءاً من مشروع وطني شامل لإعادة بناء الإعلام السوداني بعد الحرب. فالسودان يحتاج إلى بيئة إعلامية جديدة تقوم على المهنية والاستقلال والمسؤولية الوطنية، وتحتاج كذلك إلى قوانين حديثة تحمي حرية الصحافة وتمنع الاحتكار والتوظيف السياسي والابتزاز المالي، مع إطلاق برامج تدريب واسعة لتأهيل الصحفيين في مجالات التحقق الرقمي وتغطية النزاعات وصحافة السلام. واعتقد ان قانون 2009م يمكن أن يعدل قليلا لصبح القانون الانموذج والامثل. مستصحبين التجارب الممتازة السابقة والحاضرة. والنظرة للمستقبل.

*إن أخطر ما تواجه الصحافة السودانية اليوم هو خطر التشظي والانقسام. فإذا أصبح لكل منطقة أو سلطة أمر واقع سجلها الإعلامي الخاص، فإن المهنة ستفقد هويتها الجامعة، وسيفقد الصحفي السوداني مكانته ورسالته الوطنية.

*بطاقة الصحفي يجب أن تبقى رمزاً للشرف المهني والانحياز للحقيقة، لا جواز مرور للمليشيا، ولا غطاءً للتمويل المشبوه، و لتبرير الخراب الذي أصاب السودان.

*فالدفاع عن حرية الصحافة لا يعني حماية الفوضى، كما أن الدعوة إلى الإصلاح لا تعني شرعنة الإقصاء. وبين هذين الحدين تقف الصحافة السودانية اليوم أمام امتحان تاريخي بالغ الخطورة: إما أن تستعيد رسالتها ودورها الوطني فتعود ضميراً للأمة، أو تتحول إلى ساحة أخرى من ساحات الحرب المفتوحة.