
ملتقى الأمل الإستراتيجي واحتياجات المواطن
قبل المغيب
عبدالملك النعيم أحمد
*إختتمت حكومة الأمل الأحد الماضي جلسات ملتقى الأمل الإستراتيجي والذي إستمر ثلاث أيام نوقشت خلاله عدد من أوراق العمل بمشاركة واسعة من الوزراء والخبراء واساتذة الجامعات وقد استمع الملتقي لتقرير اللجنة القومية لاعمار السودان ما بعد الحرب ورتق النسيج الإجتماعي قدمه رئيس اللجنة بروفيسير عماد الدين الأمين الطاهر عرديب مدير جامعة الخرطوم حيث استعرض اعمال اربعة عشر لجنة فرعية متخصصة شملت كل المجالات وقدمت رؤية متكاملة للحكومة تحتاج فقط لبرنامج عمل تنفيذي بجدول زمني محدد وميزانيات لتنفيذ البرنامج.
*حسناً فعلت حكومة الدكتور كامل إدريس بإنعقاد هذا الملتقى لوضع رؤية محددة وواضحة المعالم يسهل متابعتها من أهل الصحافة والإعلام وتقديم الآراء التي من شأنها أن تساعد الحكومة في هذا الجانب بعد أن تعرضت الحكومة للكثير من النقد تباينت وجهات النظر حول موضوعيته أحيانا وبين الخروج عن دائرة النقد البناء إلى الهجوم الشخصي والتجريح وهذا ما لا يجب ان يكون ولا ينبغي لقادة الرأي وحملة الأقلام الإنجراف إليه…فنقد الحكومة مطلوب بل ضروري متى ما كان موضوعياً وسد الثغرات ومعالجة المشاكل في حينها هو من صميم واجبات الحكومة ومحاربة الفساد أياً كان وترشيد الصرف الحكومي وتوجيه موارد الدولة لما فيه مصلحة الوطن والمواطن هي من أولويات عمل الجهاز التنفيذي الذي يقوده رئيس الوزراء دكتور كامل إدريس.
*فإنعقاد ملتقى الأمل الإستراتيجي وإن جاء متأخراً فهو مطلوب وضروري وأن تأت متأخراً خير من ألا تأت ولكن تبقي العبرة في تنفيذ ما خرج به الملتقى من توصيات تعيد الحياة إلى البلاد بصورة معقولة بعد ما أصابها من دمار مادي في بنيتها التحتية ومعنوي في مكوناتها المجتمعية والتمزق الذي أصاب بنيتها الإجتماعية وكلها تعتبر مهام صعبة وكبيرة تحتاج لإنجازها تعاون الجميع من أبناء السودان حكومة وشعباً بكل قطاعاته وتجاوز آثارها السالبة.
*إستمعت لكلمة رئيس مجلس الوزراء خاصة فيما يعني المواطن والإهتمام به ولعلها وعود تبدو في شكلها النظري ضرورية ومطلوبة لما للمواطن من إحتياجات ولما أصابه من ضرر جراء هذه الحرب…ولكن تظل العبرة في إنزال هذه الوعود إلى أرض الواقع.
*صحيح أن البلاد تشهد ضغوطاً إقتصادية كثيرة وكبيرة بسبب الصرف على الحرب المفروضة والتي أنهكت البلاد والعباد على حد السواء ولكن الصحيح أيضاً ان هناك أوجه فساد متعددة وتراخ واضح في تطبيق القانون وسوء إدارة في عدد من مؤسسات الدولة إن تم التعامل معها بالشفافية المطلوبة وبإنفاذ القانون سيوفر ذلك قطعا الكثير من موارد الدولة التي يمكن أن يتم توظيفها بشكل أفضل يكون للمواطن فيها النصيب الأكبر.
*فأولى مشاكل حكومة الأمل الآن قضية تهريب الذهب وخروج ما يقارب ال(80%) من إنتاجه خارج دائرة خزينة الدولة ولعل شهادة وزير المالية دكتور جبريل إبراهيم في هذا الموضوع تعد أكبر دليل لما ذهبنا إليه حيث قال في لقائه مؤخراً بالاعلاميين المشاركين في ملتقى الاعلام في السلام روتانا بحضور رئيس مجلس الوزراء وعدد من الوزراء أن إنتاج الذهب خلال الشهر يقدر ب (26) طن أي (26) ألف كيلو جرام نصيب الحكومة منه فقط (100) كيلوجرام ولنا أن ندرك حجم الموارد المهدرة من هذا المعدن النفيس الذي بدلاً أن يكون نعمة جاءت لتعويض ما فقدته البلاد من ذهاب عائد البترول بعد إنفصال دولة جنوب السودان أصبح نغمة تضررت منه البلاد والمواطن بسبب سوء الإدارة والتهريب والفساد.
*وثاني المشاكل والتي هي أيضاً نتاج سياسات خاطئة هي تدهور سعر صرف العملة الوطنية للدرجة التي أعجزت بنك السودان عن معالجتها مما ألقى بظلال سالبة على حياة المواطن بالإرتفاع الجنوني في أسعار السلع الضرورية…فقد وصل سعر قطعة الخبز (500) جنيه مع نقص واضح في وزنها حيث تحتاج الاسرة المتوسطة الي أكثر (15) آلف جنيه في اليوم للخبز فقط مقارنة بمرتب معلم في الدرجة الثانية لا يصل (200) ألف جنيه لا يفي حتى بثمن الخبز في الشهر لأسرته المتواضعة..هذا هو حال المواطن الذي تتحدث حكومة الأمل عن الإهتمام به.
*ثالث المشاكل الإقتصادية التي يجب أن تجد أولوية في تنفيذ مخرجات ملتقي الأمل هي مسألة وقف إستيراد الكثير من السلع الضرورية وذلك بمراجعة هذه القرارات وتقييمها بطريقة موضوعية لأنها في تقديري لم تحقق أهدافها المرجوة والتي وردت كمبرر لاتخاذ القرار فلاهي ساعدت في وقف تدهور سعر الصرف ولا أدت إلى انخفاض سعر المنتج المحلي منها ولا اعتقد أنها ستدعم الصناعة الوطنية لأن الإنتاج من هذه لا يغطي إحتياجات المواطن الفعلية بسبب ظروف كثيرة معلومة بالضرورة حتى للحكومة نفسها ..لذلك تظل عملية المراجعة والتقييم لهذه القرارات ضرورية وقبل ذلك يجب التأني والتريث في إتخاذها.
*فمازالت مشاكل الكهرباء تتكرر رغم الجهود التي بذلت ومازال المواطن يعاني من إنقطاعها لساعات طوال…وأزمة الوقود تتجدد بين وقت وآخر وسياسات الجهات المعنية حولها مازالت في حالة تخبط مستمر بين احتكار بعض الشركات لإستيراد الوقود وبين توسيع دائرتها لعدد أكبر…أما التحسن الذي حدث في الأمن وخدمات المياه والخدمات الصحية والإنفراج في مسيرة التعليم فإن جميعها مما يحسب للحكومة وهو واجبها بالضرورة ولكن مازالت هناك فجوات تتطلب سدها ومعالجلتها ليس بالقرارات وانما بالعمل على أرض الواقع ليحسها المواطن ويعيشها لا أن يسمع عنها أو بها.
*ختاما نقول أن مخرجات ملتقى الأمل الاستراتيجي يجب أن تترجم لواقع معاش ويحس بها المواطن في معاشه وحياته اليومية ولا يتم ذلك إلا بإعطاء أولوية قصوي لمتطلباته خاصة الجوانب الإقتصادية كما أن معالجة جذور الأزمات هي الطريق الأقصر بدلاً عن مجابهة اعراضها وظواهرها بالإجراءات الإدارية المؤقتة فهل نطمع في أن يكون هذا الملتقى هو نقطة التحول الحقيقية في آداء الجهاز التنفيذي للدولة ولحكومة الأمل.