آخر الأخبار

رحيل القوافي

قصة قصيرة

 

إبراهيم داود / جيبوتي 

 

في زاوية منسية شاخ لون طلائها، ترهلت صفحات وجهها؛ تآكل جسد جدرانها. تبوح بأسرار حزنها الذي يتعسكر في مساحة غرفتها، تتعرى مفاصل جسم غرفتها، تتسلل إليها الأوجاع والأحزان كسهام صوبت لتفضح ضعفها وفتورها، تستند على صدر غرفتها، إلتصق فستانها فتبارك بجسد الجدار وكأنها أصبحت جزء منه، تخترق لسعات الشتاء جسدها الخائر حينا، وتكتوي بنار الصيف حينا آخر، تتساقط أوراق حياتها في موسم الخريف، تتعاقب عليها الفصول، لا شيء يشفق عليها، تتكر لها كل شيء إلا عينيها التي تجمد فيها القذى، خدشت الدموع صفحات وجهها وكأنها قنوات تسقي المساحات والمداءات الشاسعة بكرم .

لم يبق معها سوى ذكريات الماضي الجميل، طيفها الباسم يتراءاى أمام عينها، في مرآة حياتها ، في لوحة جدار موازي لزاوية تقيم بها، تتذكر حينما يحاصرها الألم والتيه ، ويتفرد بها الحزن، ويستيقظ مارد الحاضر أمامها ،تستحضر تلك الذكريات الجميلة التي تلعق من صحن ذكرياتها، يغذي حياتها وتتسلى به،، تتذكر حينما إلتقت به لأول مرة ابتسم بأسنانه التى تبدو كالبرق في ليلة حالكة الظلام، في داخل قلبها تكومت غيمة حبلى لتسخو بغيثها.

شعرت مع تلك الإبتسامة بشعور غريب، لم تشعر به من قبل، ضحكته تختلف، نظراته كشراك صيد متقن . لا تشعر بمن حولها، ليس في عرشها سواه. سافرت معه إلى عالم الإنس. كم تمنت أن تلجم الشمس بحبال صبرها وأن توقف عقارب الساعة لتعيش العمر كله معه. مدت يديها لتلوخ له بالسلام، لتفتخ له بوابة قلبها الذي تمرد على الحب والهيام، ولسان حالها ماكنت أؤمن بالعيون وسحرها حتى رمتني بالهوى عيناها .

فجاة رأت نفسها أمامه. تتزود بالنظر إليه. لم تمكث اللحظات الجميلة طويلا بل مرت سريعا .

حلقت في ملكوت العشق، تدندن، وتشدو، وتغني، وتحدو، بأقطرة من الألحان المتواهقة من الأحلام والآمال والحب . صوتها يعانق أعنان السماء، تغني، وترقص، جسدها النحيل يتمايل كالأغصان التي تحركها النسمات، غصن بأن مال من حيث استوى.وعند لحظات الغروب تصل إلى ذروة نشوتها تعيش أجمل لحظة الحب، لحظة تفتحت به الأزهار وصب عطر الانس في الأكمام وسرى السعد في قنوات القلب ليستقر في جداوله، تذكرت ملامحه حينما زار بيتها ليخطبها،، اجمل لحظة عاشته كانت تنظر إليه من نافذة صغيرة، لا تكاد تكف النظر إليه، تعيش معه لحظات جميلة جدا، لكن الخوف والقلق يتسرب إلى جسدها ليجف ينابيع الأمل في داخلها، شعرت شعورا يتخاصم عليه الحب والخوف .. مد الليل ستاره، غطى الأفق بعباءته السوداء، جاش الظلام، اقتربت فصول حياتها تتوارى سريعا كشمس الغروب التي بغيابها يرتدي الأفق ثوب حداد، وتشيع النجوم جنازة الشمس ليوارب جسدها رمس الغياب، بدا شعورها يحترف البكاء، ويشدو بألحان العويل، يغطي وجهها الشحوب، تعيش لحظة عصيبة، لحظة فرح لم تكتمل وجرح غائر لم يندمل ودمعة وجع شقت طريقها لتغسل خدها ثم تساقطت على صدرها ، ارتفع صوث الشادي عازفا ناي الفرح لأجمل قلبين، وقادها إلى عرشه الزاهي ، تعالت الأهازيج والزغاريد ، ذابت في جسده ، لا تصدق أن حلمها تحقق وأن مشاعر القلق واليأس نتيجة حب زائد ، ابتعدا قليلا لتراقص صديقاتها، ويراقص هو أصحابه ، في هذه الأثناء قصفت طائرة العدو قاعة العرس، لم يبق من حبيبها شيء، اختلط كليا بأديم الارض بقي منه عطره الذي لم يغادر انفها حتى اللحظة .