
القنصل إبراهيم عمر صديق وعودة الكروان إلى السودان (1-2)
نور الدائم فضل الله محمد
*وأخيرا ترجل الفارس المغوار (أبو محمد) القنصل إبراهيم عمر صديق محمد قرشي نموذج وفخر الدبلوماسية السودانية أقدل ما بين السماحة والدلال ، أو كما الصيد الشارد بين الجبال والتلال، يفترس المآقي والقلوب والظلال، يمتهن النفور والشرود والتمرد الحلال، كنت فينا الأمل وكنت الفرح وكنت المرح وما تزال ، ووداعا أيها الكروان هبة الجلال .. من أمثالنا الشعبية عند الحصار وإنعدام الحيلة نقول (زنقة كلب في طاحونة) فأقول ان عادل الصول وبكتابة مقالاته الثلاث ( من ١ إلى ٣) عن القنصل إبراهيم عمر (زنقنا) نحن الثلاثة أنا والكلب والطاحونة، وكلما هممت بتكملة مقالي عن القنصل إبراهيم عمر أجد أن الأخ عادل الصول سبقني وحشد نفس الكلمات والتعابير التي كنت قد (إنتقيتها) لمقالي بل تمدد وتمادى عمدا وتعاطى الحرام (وعجن) كلماته بإحتراف بنفس (المونة) التي كنت أريد أن أبني بها ركائز وأعمدة مقالي المزعوم وجردني من أي ذخيرة لغوية تناسب قدر ومكانة الرجل عندي ولم يترك لي إلا كليمات رخيصة مبتذلة لا تناسبني ولا تناسب الرجل، مثلها ومثل (بواقي) الخضار عندنا في السوق المركزي بشمبات يوم الجمعة آخر الليل (عند القفلة) يكون الخضار كلو إتعزل، ومافي شيء الزول فيهو إتغزل، وود الصول شال النوار وعزل وترك المعزل، وبهذا حصرني مع الكلب في الطاحونة ، وفي الطاحونة نفسها حصرني في ركنها القصي البعيد من الباب وذلك لكي (ينتف) كل حبال الأمل والعشم في الخروج .
* لكنني سأجتهد أن أجد منفذا للخروج لأقول ما لم يقله عادل الصول عن السيد القنصل، وكما كتب ود الصول أيضا كتب عنه آخرون كثر وسطروا نظما فريدا في القنصل إبراهيم عمر وذلك نسبة لصدق الرجل وضخامة عنوانه وحجم فحواه وأصالة محتواه، وجمال أوانيه وسمو خلقه ومعانيه، ولا يشابهه أحد أو يدانيه، فهو يجذبك بعنف ويقربك في لطف ويغريك في عطف يغريك أن تكتب فتكتب في ترف وسرف، فالسيد إبراهيم عمر القامة يستاهل أن يكرم ويمنح نجمة معركة الكرامة، وذلك لألف سبب وألف دلالة وألف علامة ، وقطعا لمعركة الكرامة وقود وجنود آخرون كثر كلا في موقعه وبلا شك أن أشرف المواقع مواقع ساحات الوغى وميادين القتال وحلبات (الدواس) وقد تتعدد الخنادق وقد تتعدد البنادق وقطعا هناك ميادين أخرى مختلفة للجهاد لكن سيظل الهدف واحد، الهدف هو السودان وأهل السودان فإبراهيم عمر نشهد له ومن خندقه هنا كان في خدمة السودان وأهل السودان، أقول هذا ليس لأنه هو (إبن أخي) لكن هي الحقيقة التي ترنمت وتغنت بها كل ألوان الطيف السياسي والاعلامي بالقاهرة، وها هو يودع السفارة بعد جهاد لمدة ثلاث سنوات يابسات عجاف من عمر الحرب اللعينة إلى أن صاح منادي الوطن ونادى المنادي على الكروان هلم إلى السودان فإمتثل الكروان واستجاب للنداء، وأوقف العمل والترانيم والحداء، وقال لبيك وطني في كل موقع نحن للسودان فداء ، إن دعا داعي الفداء فأنا كلي لك فداء.
*ولقد كان يوم ٣١ مارس ٢٠٢٦ هو يوم حزين على السفارة السودانية وهو آخر يوم دوام عمل رسمي للسيد ابراهيم عمر بالبعثة ، وفي هذا اليوم الحزين ودعت السفارة السودانية بالقاهرة زول ود بلد فيهو ملامحنا ، تشوف فيهو سهلاتنا وحيشانا ولماتنا ومسارحنا ، ماهل حبوب فك كم إحنة ومحنة، هو عيشنا وقمحنا ومنو ما قمحنا، وكان ثابتا راكزا كجبل توتيل في إباء وشمم تتكسر أسنة الرماح عند سفحه، ووضح ذلك وتجلى عندما فاضت مداخل ومعابر جمهورية مصر العربية الشقيقة بهذه الجموع الهادرة من المواطنين السودانيين الفارين من ويلات الحرب اللعينة . والشهادة لله وللتاريخ فإنني أقول أن كل طاقم السفارة والملحقيات الأخرى كانوا في حجم التحدي، وإن جاز لي هنا أن أذكر إسما محددا أذكر بكل فخر ود البلد التقي النقي القامة الوطنية الفاخرة العقيد شرطة عادل يونس وأسرة مكتبه كانوا أكبر من حجم التحدي وقننوا للوجود السوداني في قوة وإقتدار، وكذلك لعلي لا أجافي الحقيقة إذا قلت أن القسم القنصلي كان يمرر أكثر من خمسة ألاف معاملة يوميا في ذلك الزمان القريب وكذلك القسم الثقافي كان يمرر نفس هذا العدد من المعاملات بل أكثر، والقسم الثقافي كان يديره وقتها في براعة وإقتدار الدكتور مرتضي علي عثمان (حاليا مدير مكتب السيد وزير التعليم العالي) وتعاونه بتفان ونكران ذات وإخلاص الموظفة المحلية وأركان حربه المقتدرة المرجع في المستشارية الثقافية السيدة سكينة صالح محي الدين ، وكان لي شرف العمل معهما بالقسم الثقافي وتعلمت منهما الكثير، وفي نفس هذه الفترة الحرجة لقد تم نقل السيد السفير محمد احمد خليل إلى أسوان بعد أن أبلى بلاء حسنا بالقسم القنصلي ليتولى القسم بعده السيد ابراهيم عمر صديق كما ذكرت. *ويعجبني في إبراهيم عمر أنه يجيد فن الاستماع للمواطن وفي غير تكلف او إصطناع دائما تجده يحتفظ ببسمة وضيئة تتسرب من بين ثناياه فيشع منها الأمن والأمان وتكاد أن تقول لك وفي صمت بليغ أبشر (غرضك مقضي )، وكان يفيض جمالا وأدبا وإستحياء كحياء العذارى في خدورهن، وكان يمكث في مكتبه إلى ما بعد منتصف الليل يوميا وهذا تاريخ قريب جدا مدون في يوميات التحري لدفتر الحرب الأسود بالبعثة، وفي تقديري أن بعض المهن إذا تعرت من الإنسانية وتخلت عن الحنان الدافق والعطف الجياش تبهت ويصفر لونها بل تمسخ وذلك مثل مهنتي الطبيب والقنصل العام هذه مهن قوامها الإنسانية ووقودها الحنان وزيتها العطف ، لكنها إذا تجردت من هذا كله ونضب معينها وجف زيتها ستذبل وتفقد بريقها وجمالها وتغدو مسخا مشوها وشاغلها قطعا (لا يودي ولا يجيب).
– نواصل-