قفتها من حزن
أحـمـد الـمــــــؤذّن – البحرين:
تتحـــرك وهـي مطــمـئنـة، تظــن بأني نائــم كبقيـة إخــوتي، نلتحـف أغطيتـنا الملونـة في سكـون بياتــنا الشتـوي مثـل أرانب هنـا بهـذه الحجـرة الطــينـية المسقوفـة بالجندل
أراقبهـا بصمـت وحذر، تضـع في قـــفّـتها الخوصيـة أشياء ملفوفـة تستـفـز فضولي، لم أرَ غـير مكبـس البخور وزجاجـة مــاء الورد ومــا تبقـى من أغراضهـا توارت في جـوف القفّــة، حمـلتها فــوق رأسها ولبــست عباءتها تسـتعد للخروج. هذه المــرة لن أســألهـا عـن وجهـتها أو ألــحّ عليهـا بعناد الأطفــال الأغبيـاء، سألحــق بها وأتخفى عنها حتى أعـرف وجهتها.
ثلاث دقائـق فاصلة فـقط ثم خرجـت . عباءة أمـي مميـزة بثـقبـين صغيرين من الخلف، تخب على وجـه الدرب الترابـي، إضافـة إلى نعلهـا الأخضر المتهالك و القـفّـة المحمولـة فوق الرأس، لــن تضيـع مني.
مـن زقاق إلى آخــر، أطـارد ظلـها بصمـت، هذه المـرة سأنـجح وأكتشـف ما تفـعـله أمـي، الفضـول يأكلني وأشعـر بقـوة خفيـة تحـركني لمواصلة السيـر خلفها في هذه الأزقـة حتى وصلت إلى الحـي الشرقـي من القـرية، هناك بمحاذاة البـر قصدت خطواتها بيــتًـا كبـيــرًا شبــه معزول.
ولكن اللحـظة التي تلتفت فيها وكأنمـا شكـّت في أحــدٍ يلحـق بها ، أكتشـفتني أخيـرًا.. جئـتهـا خائـبـًا وهي تهــز رأسها حانقــة علـيّ، أنّـبـتـني قلــيلا ً وقد احتارت. مصدر حيرتها طــفل مشاغـب، أنا الذي حـمَــلهُ فضولـه إلى اللحــاق بها حتى وصلت إلى البيت الكـبير.
أمرتني بالعودة إلى البـيت، لا أريـد العودة وقـد اقتربت الآن من كشـف أسرار القفّـة. ماذا تفـعل أمـي هذا الصباح بزيارة هـؤلاء الأغراب؟ لا أدري إن كانوا أغرابــًا أم لا ، لكن ضخـامة البـيت الأبيض مهيبـة حقــًا و تختلف عن بيوتات القريـة فيـشتعل فضولي أكثـر هنا عنـد بابـه الكبير، كتلـة خشبيــة أنيــقة و مزخرفـة لا تشبـه تلك الأبواب العاديـة التي رأيتها في القرية، أبواب ملوثـة بالطيـن اليابس تفوح منها براز الدجاجات الــلاتي يسرحن في الأماكن، أو تلك المدهونـة بشكـل فوضوي بشـع وهي أنصاف أبواب لا تسـتر شيـئـًا من تلك البيوت الفـقيرة وأطـفالها الحفـاة و نسائها المكـدودات.
قرعت يدها هذا الباب المهيـب، لحظـات انتظـار قصيرة وفــُـتح أمامنـا عالم مختلف ، فناء واسـع وغرف كثيرة وأطفال كُــثر تنبـع من كـل الزوايا تلعب هنا و هناك فوق غيوم شقاوتها البريئـة وهي تلبــس الثياب النظيفـة الملونـة و.. كـدتُ أنسى قصة قفــة أمــي أمام هذا المشهـد . المرأة صاحبة الوجه المتجهم لم تقل شيئـاً، أخـذتنا من عتبـة الباب وهي ساكتـه إلى الطرف الشرقي من البيت الكبير، كانت تتمتع بوجه دميم محفـور ببثور الجـدري، أمي تمسكـت بقـفّـتها كلما اقتربـنا من الحجـرة المعنـية.
دخلنـا إلى الحجـرة، أنزلت قـفّتها أمـي وسارعت إلى المرأة البديـنة وقبلت رأسها، أرسلت إشارة من عينيـها تطلب مني تقلـيدها ففعـلت. إنها أول مـرة أرى فيها امـرأة بيضاء تشبـه شكـل الدمية القماشيـة التي تلهـو بها أختي، أحيانـاً أغافلها، أركـل تلك الدمـية وأهـرب مشاكسـاً أضحـك بسـرور.
تربعت أمي في جلـستها وبدأت تنبـش جـوف القفـّـة، أخذت أراقب وكـلي لهـفـة منتـظراً تلك الأشيـاء السحـرية التي سـتـتـشظـى كالنجـوم بين يديهـا ولكن.. هي ذاتها تلك الأشياء التي سبق ورأيتها، لا تستـحق مني ترك لحافي الصوفي الدافىء و الهرولة خلفها في هذا الصباح الغائـم.
مكبس بخور وكيـس حناء وماء الورد وعجـينة ذهبيـة تشبه لون العسـل ومشـط. فتحت علبـة العجينـة وأخـذت منها خيــطـاً ذهبـيـاً كالمطـاط يتمدد ويتمدد ثم يتحول إلى كـرة صغيرة. المرأة البيضاء شمـرت عن ساقيها ذاك الاخضرار الـذي تلبسـه وأمـي تلصق تلك العجينـة بالساق العارية و تنزعها وهكذا دواليك وقـد بدأت تتصبب عرقـاً، في هذه الأثناء دخلت صاحبة الوجه (المجدر)وهي تحمل منـقلا ً يفرقـع جمـرهُ شراراً، ابتعدت قليـلا ً للحيطـة بينما أمي مدت يدها إلى مكبـس البخور وأخذت منقل الجمـر وأفرغـته و تناولت من المرأة البيضاء كيسـاً صغيـراً استخرجت منه كرتين سوداوين، لحظـة التقـمهـما الجمر، انتشرت حلقات الدخان الزكي ثم عرفت.
فقلت لهذه البيضاء وأنا أحك رأسـي خجـلا ً .. هـل أنتِ عـروس ؟ شهقت أمـي مستنـكرة، بينما الأخرى ضحكت وتـورد خدها بعدما ظننـتها متعـجرفـة و مغرورة. دعتـني للاقتراب وقرصت خدي بلطف وقالت:
ولو كنت عروس تـأخذني؟
فكـرت قليـلا ً بينما هـي أخذت المكبـس وبخـرت وبخـرت شعرها الأسود المسدل، فقلت:
نـــعم
ولكـن مهري غالي، مـاذا ستعـطيني من مهـر ؟
أعـدت التفكيـروهي تحـدق إلى وجهـي مسرورة ثم جاوبت:
سأشتـري لكِ حلوى من سوق المنامـة
ضحكت مني ثم شاركتها أمي ، لا أدري ما الذي يضحكـهما، فقالت أمي:
ولـد عفريت و
بالعكـس لطيف وحلو اللسان،ادعي لي بأن يرزقني الله الذرية الصالحـة،أريـدُ ولداً مثـله و.. قبلتنـي في خدي لأكثـر من مـرة
أمي رجعت إلى قـفّتها تبحث عن شيء.. هي دست في جيب ثوبي شيـئاً لا أعرفُ ما هو وطلبت مني السكون ثم أكملت طقـس البخور، الدخان الطيب يتخـلل ملابسـها صعوداً نحو صدرها المنتفخ المُـزين بقلادة ذهبيـة.
مسكينـة يا أمـي ، لاشيء يزينها غيـر خواتم حديديـة وثلاثـة أحجبـة، واحـد عن الخوف وآخـر عن الحسـد، وليس لدينا ما نخاف أن نُـحسد عليه، أما الثالث فهو للبركـة وجلب الرزق، تقبلـه أمي كلما خـرجت وهي تحمـل قـفّتها. أوه.. كـدتُ أنسى الحجاب الرابع، رأيتها ذات مـرة تدسـه بجوف وسادة أبي و تخيـط فتقهـا الجانبي وهي تراقب الباب.
أما هذه المرأة البيضاء، لا أحجـبة عندها، ألا تخاف الحسد؟ أليس في قــفّة أمي حِـجاب واحد يبقيها عروسـاً يتجدد شبابها وجمالها في كـل الفصول ؟ ظلت أمي تكـدح ، تقوم بتزيين المرأة وأنا أراقب أمامـي هذه القـفّة تخـرج منها أشياء ثم .. تــوقفت أمـي وابتسمت وهي تنظـر للباب تدلف منـه ثلاث نسـاء، شهقـت إحداهـن ثم تقـززت.
-نــوف بنت المختار تزينها مكــية الحـفّافـة، ما عندكِ ذوق بالمـرة، هي أنتِ خُذي أغراضكِ واخرجـي.
هكـذا تم طـردنا من البيت الكبير ، أجــبرت أمي على حمل محتويات قــفّتها، بان الحــزن في عينيهـا ونحن على عتـبة الباب، حتى مكبس البخور تم رميـه بجمـره قرب قدمـيّ أمـي، محـبطة لم تحـصد تعبها وقـد انطلق أذان الظهـر. أنا أم القـفّـة أو ربما هي، من هو حــزين أكثر؟! الآن عرفتهـا قــفّتها من حزن ، تحمل بؤسنـا نحنُ المطحـونين لا مكان لنا بين أبواب الأغنـياء، حقـيـقة قاسيـة تشعرني بالذل.سمعتها تقول:
-المشتكـى إلى الله، المشتكى إلى الله
وبكــت أمي، رفعت قـفّتها إلى رأسها. تفقدت جيب ثوبي ، ثلاث حبات ملبـس لا طعم لها حيث ها أنا مع أمي التي عدلت وضع عباءتها ذات الثقبين ولـّــمتني بداخلها عن سمــاءٍ تمــطر، نـتبلل و البيت بعــيد.