
لآلئ بأقلامهم..قصص قصيرة جداً بقلم الكاتب الأرتري هاشم محمود
صمت الكلام
فائزة إدريس
(١)
مثل إنسان
*كنت أعد ما تبقى لدي من نقود لأتخلص منها قبل طلوع النهار. كنت وحدي بين طيور الليل وأشباح تسكن المصابيح. لكنني عند أول خيط للفجر، لمحت ظل انسان من بعيد، يشبهني في هيئته: يمشي على قدمين، ويقفز على الشاطئ، ويسد أذنيه متحاشيًا حوتًا نافقًا يقبض على ورقة ونصف رأس من سمكة صغيرة.
(٢)
قهوة غائمة
*الرشفة الأخيرة من قهوته تبعتها همهمات كثيرة في بهو المبنى القديم. حين وضع فنجانه فوق الطاولة، تحركت صورة الزعيم التاريخي فوق الجدار، وقفز النادل يعدلها، هدأت الأصوات في أثره وهو يهم برشف فنجان ثانٍ، وهم يتشبثون بالصورة ويتربصون بيده بكفوف بيضاء وناعمة.
(٣)
خيال
*كان الطفلُ يرسم أباه كلَّ يوم، ويترك إلى جواره كرسيًّا فارغًا
سألته المعلمة: لماذا لا تُجلِسه على الكرسي؟
أجاب: أبي مسافر، وإذا رسمتُه جالسًا هنا، فلن يجد مكانًا يعود إليه.
(٤)
نُسخة
*أمضت شبابها تقسم ألا تكرر أخطاء والدتها، ولا كلماتها القاسية في تربيتها
راقبت كل حركةٍ أو نبرة تصدر عنها، وحين غضبت من ابنتها ذات ظهيرة، فزعت حين سمعت من حنجرتها نفس النبرة، ووجدت في عيني ابنتها نفس الخوف.
(٥)
نسيان
*قرَّر أن يطوي صفحةَ الخذلان، وأن ينسى كلَّ إساءةٍ نالت من قلبه، فابتاعَ دفترًا صغيرًا بصفحاتٍ مذهبة، ليُفرغ به أسماء المسيئين وتواريخَ عثراتهم؛ ليتجنبَ الالتفاتَ إليهم بعد ذلك، أو ذكرهم في مجالسه.
مرَّت الأعوام، وكلَّما راوده الشكُّ، فتحَ الدفترَ ليتأكدَ ممَّن نجح في محوه من ذاكرته، فلم ينسهم.
نهاية المداد:
مع الزمن سيزول حزنك، هذا صحيح، مع الزمن كل شيء يزول، لكن هناك حالات يتأخر فيها الزمن عن منح الألم الوقت لكي يتعب.
(جوزيه ساراماغو)