أحـــــداث مكــــررة
لبنى ياسين / سورية مقيمة في هولندا
ما قبل الفاجعة:
تنهمر عليّ الأحزان دفعة واحدة وينسكب القهر في قلبي, أيتها المدينة التي مزقت أولادها ثم أعلنت الحداد عليهم, كيف كان لنا ألا نتوقع أن تغرزي أظافرك في صدورنا نحن الذين وقفنا نتفرج على اغتصابك للمرة الألف بالخذلان والخيبة نفسهما ،دون أن نحرك ساكناً ؟! كيف لنا أن نعاتبك ؟؟.. وشوارعك موشومة بأرواحنا, وضفائرك مجدولة بشراييننا؟! كيف أفلتِّ فجأة من بين أناملنا التي كانت ترسم شمساً ووردة وغيمة بيضاء على جدرانك عندما تفتتت الجدران وتمزقت الشمس ولم يــبقَ للوردة أي أثر ؟! أيتها المدينة الظالمة المظلومة إنني أعلن العصيان على القهر… إنني أعلن حبك حتى آخر لحظة في عمر خيبتي .
لحظة الفاجعة:
أقف مذهولا بجثتك المسجاة أمامي, أهذا أنت حقاً ؟ كيف حدث أن تجمعت الخيــبات حتى أصبحت سكاكين وسيوفاً نشهرها في وجوه بعضنا؟ رجوتك ألا تقتلني, ذكرتك بالأمس القريب حين كنا نذهب معاً إلى المدرسة, ونعود إلى الحي معاً, ذكرتك بليلى, تراك كنت ستقتلها لو أنها برزت من العدم أمامك فجأة ؟ تراك كنت تستطيع أن تتجاوز عينيها المشتعلتين بحبك؟ هل توقف قلبك عن الخفقان لها؟ أم إنني أنا فقط المعني بأمر تغييرك المفاجئ هذا؟ كيف استطاعوا أن يغسلوا لك دماغك؟ كيف مكنتهم من التسلل خفية إلى منحنيات الحب لديك ليعبثوا بها ويطلوها بسواد أمنياتهم وخططهم ؟ هل تنصلت فعلاً من كل انتماء كنت تشعر به ؟ ما الذي جرى لك؟ وما الذي جرى لي أيضاً؟ كيف أستطيع أن أسامح نفسي وأنا من غرس السكين في قلبك؟ هل سيقنع قلبي حين أقول له إنني كنت أدافع عن نفسي؟ وأنك أنت من أجبرني على ذلك؟ يا إلهي لا أستطيع أن أصدق أنك أنت المسجى أمامي, وأنّ من قتلك هو أنا .. أنا ولا أحد غيري .
ما بعد الفاجعة:
كآلاف المظلومين غيري , كآلاف المقهورين أحمل سلاحاً أبيض خشية أن أتعرض للقتل , لكنه حقيقة ، أسود , أسود مثل قلبي .. وأمضي باحثاً عن جسد آخر أسجيه أمامي وأنتحب ، أقتله وأعلن الحداد على موته، وأمزق ثيابي حزناً على لهجة كانت تجمعنا معاً أيام لم يكن الدم ماءً آسناً لا ثمن له، أقتصّ بقتله لامرأة لم أعد أعرفها تماماً، ولم تعد تعرفني مطلقاً, امرأة اغتصبت على مرأى من عيني، وذبح أولادها من الوريد إلى الوريد دون أن أحرك ساكناً.
كنت أقاوم الفتنة بكل طاقتي, عندما كانت فتيلاً تحولتُ إلى ريح, وعندما كانت شعلة تحولتُ إلى مطر, وعندما صارت جهنـّما واكتسحتْ كل شيء لم يتبقَ لي إلا أن أنتقم, فقررتُ أن أقتل كل من تسول له نفسه أن يقترب منها، تلك المرأة السمراء التي زرع الله في عينيها أنشودة عشق وقصيدة حزن لا تلتقيان, وكلما قتلتُ واحداً فـُـتح ثقبٌ في جسدي تنز منه مرارة متقيحة، وها أنا جسد فيه ألف ألف ثقب مقابل أجساد قتلتها بثقب واحد من مدية لم تعد تفارقني حتى وأنا نائم ، من منا القاتل ومن المقتول يا ترى؟
وكلما قتلتُ واحداً سمعتهم يديرون كؤوس الفرح ويشربون نخبه فوق جسد امرأة فينيقية استبيح شرفها وأولادها في لحظة واحدة، وهم يملؤون الكؤوس من دمها حتى آخر قطرة، ويرفعون أيديهم عاليا ليزدردوا نخب موتنا دفعة واحدة صارخين : ” هاللويا ، هللويا ” .