آخر الأخبار

بين الجسر والسلاح …عندما تتحوّل القبيلة إلى لعنة في الحرب

  • بطاقتك القبلية قد تُنقذك هنا لكنها قد تقتلك هناك
  • الرصاصة تقتل إنسانًا بينما الكراهية تحصد أجيالًا كاملة
  • همسات الفرز القبلي تتسلل حتى إلى طوابير المساعدات
  • السودان إلى نموذج العدالة التصالحية الذي يجرّم خطاب الكراهية

د. عبدالناصر سلم حامد

في صباحٍ قائظٍ من يوليو 2025، جلس شيخٌ سبعينيّ تحت ظلّ شجرة شوكية قرب الفاشر، كان حتى وقت قريب شيخًا للجودية يفصل في الخصومات ويرأب شقوق البيوت الطينية حين تغيب الدولة. كان مجلسه الصغير عند جذع شجرة البلّوط ملاذًا للمتخاصمين من القبائل المختلفة. يعودون بقلوب مطمئنة إلى مزارعهم، ولا يحملون سيفًا إلا بقدر ما يحمونه من قطيعهم, اليوم صار الشيخ يحدّق في أطلال منازل سودتها النيران، وبئرٍ جفّ ماؤها، ولا يقوى حتى على الجلوس قربها خوفًا من أن تفضحه لهجته أو ملامحه وسط دوائر الشك. يشير بعصاه نحو الأفق ويهمس: «كنا نملأها مع إخوتنا من القبيلة التانية. اليوم صرنا نتحاشى نظرات بعضنا.
القانون غير المكتوب:
لطالما ظلّت القبيلة في السودان شبكة أمان للأهالي، وجسرًا يحفظ التعايش حين تتآكل هيبة الدولة أو يتباطأ القضاء الرسمي, عُرفت الجودية بأنها القانون غير المكتوب الذي يوقف الدم ويعيد المسروق وينهي الخصام بكلمة رجال. كانت دارفور وكردفان والصحراء الكبرى كلّها تعرف أن لا شيء أثمن من (عهد الصلح) الذي يعلنه حكماء القرى. لكن هذه العهود صارت أوراقًا هشة حين تمدّدت الحرب الأخيرة لتأكل القرى وتنسخ خطوطها في قلب الخرطوم.
اندلعت الحرب السودانية في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع بعد أن انهار اتفاق الترتيبات الأمنية, كانت البداية صراع نفوذ على السلطة في قلب العاصمة، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى حربٍ تُعيد تعريف الهوية القبلية كدرع وسيف في آنٍ معًا, ما كان يسمّى (نسيجًا حضريًا) صار امتدادًا للهامش الممزق.
خرائط خوف صامتة:
أحياء الثورة وبيت المال وجبرة وأم درمان القديمة باتت تُرسم فيها خرائط خوف صامتة، تُفرز فيها اللهجات وتُختبر فيها الأسماء والأصول. حتى الأحياء التي ظلّت لعقود رمزًا للتنوع – مثل الكلاكلة وأركويت – لم تسلم من الشائعات حول (انتماءات) الناس، وكأن الخرطوم نفسها لم تعد مدينة الجميع.
بطاقتك القبلية:
في مخيمات النزوح صار لسان حال الناس: (قد تُنقذك بطاقتك القبلية هنا، لكنها قد تقتلك هناك), بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)
، نزح أكثر من 2.8 مليون شخص من غرب السودان وحده حتى يونيو 2025، فيما تشير رابطة محامي دارفور إلى تدمير أكثر من 150 قرية خلال أشهر قليلة, هذه الأرقام ليست جامدة، بل ملايين الحكايات التي تسكن خيامًا وبيوتًا متهالكة أو تهيم على حدود الدول المجاورة, صار سؤال (من أي قبيلة أنت؟) بطاقة نجاة أو شبهة موت، يتضاعف معه الوصم الجماعي ويُزرع في النفوس شعورا بأن المأساة لا يمكن فصلها عن شجرة العائلة.
تمزيق هذا النسيج:
بين أطراف الصراع، لعبت قوات الدعم السريع دورًا بالغ الخطورة في تمزيق هذا النسيج, فرغم أنها بدأت كتشكيل شبه رسمي من مجموعات قبلية، تحوّلت إلى ذراعٍ يتحرّك بخطاب يحمي جماعة ويؤجّج الخوف عند أخرى. وفقًا لـ هيومن رايتس ووتش، مارست هذه القوات انتهاكات ممنهجة: إحراق قرى، نهب الأسواق، اغتصاب النساء كتكتيك إذلال، تهجير جماعات بأكملها من أرضها كل ذلك جرى تحت غطاء (حماية الهوية) و(الدفاع عن القبيلة) ومع ذلك، فإن تحميل المسؤولية الكاملة لطرف واحد لا يعفي بقية الأطراف المسلحة من أفعال مزّقت البيوت والأحياء وأعادت إنتاج دوائر الشك, هكذا تغذّي لغة التعبئة القبلية التبرير الأخلاقي وتجعل من العنف أداة شرعية باسم البقاء.
حطب سريع الاشتعال:


لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يلعب فيها الاستقطاب الإثني دورًا قاتلًا في منطقة تشهد هشاشة طويلة. من رواندا إلى البوسنة، كانت الهوية الجماعية حطبًا سريع الاشتعال حين تنتقل الكراهية من كلمات إلى مجازر. في رواندا، ظلت إذاعات (ميل كولين) تزرع السم في أذن الناس: (جيرانك ليسوا جيرانك، إنهم أفاعٍ!) وفي البوسنة، لم يكن تفكيك الأحياء المختلطة مجرد فصل مكاني بل بداية لمذابح أعادت تعريف (الجار) كعدو. هذه الدروس ليست بعيدة عنا.
اليوم، تنتشر مقاطع فيديو وتسجيلات على وسائل التواصل في السودان تُحمّل قبائل كاملة ذنب أفراد أو مليشيات، بينما تُعاد كتابة قصص القرى بألسنة مليئة بالرغبة في الثأر. في بعض التسجيلات، يبدو القاتل كأنه ينطق بلسان جماعته، بينما يختفي صوت الضحية تحت ركامٍ من الشائعات, هكذا تتحوّل الذاكرة الجمعية إلى حقل ألغام.
يقول المثل الإفريقي: (حين تتصارع الفيلة، العشب هو من يُدهَس), ويقول آدم، طالب جامعي نزح من الخرطوم إلى كوستي: (قبل الحرب، كنت أفتخر أن أصدقائي من كل القبائل, اليوم أسأل نفسي: هل سأُستقبل كآدم أم كابن قبيلة؟), هذا التنافر النفسي يعكس جيلًا ظنّ أن الهُوية القبلية مجرّد تراث محفوظ في كتب التاريخ، ليكتشف أنها قد تتحوّل إلى صكّ اتهام يُشهر عند أول حاجز ترابي.
الفرز القبلي:
وفي مخيمات الأبيض والفاشر وزالنجي، تدفع النساء والأطفال الثمن الأثقل, تقول خديجة، أمّ لأربعة نزحت من نيالا: (لا أخاف من القصف بقدر خوفي أن يكبر أبنائي وهم يكرهون جيرانهم, القبيلة كانت حماية وقت الضيق، لا جدارًا للعزل) حتى الشتات لم يسلم من بقايا هذه السموم, في مصر مثلًا، حيث لجأ آلاف السودانيين، يقول ناشط إغاثي إن همسات الفرز القبلي تتسلل حتى إلى طوابير المساعدات: (صار بعضهم يهمس: هذا من قبيلة كذا، قللوا عنه, كأننا هربنا من الحرب لنجد الحرب فينا)
ورغم هذا السواد، لا يخلو المشهد من ومضات أمل, مطلع 2024، شهدت بعض قرى شمال دارفور توقيع وثيقة عهد صلح أعادت مئات الأسر إلى أراضيها لكنها ستظل رمزية إن لم تسندها برامج عدالة انتقالية حقيقية. يحتاج السودان إلى نموذج العدالة التصالحية الذي يجرّم خطاب الكراهية ويوفّر حماية حقيقية للشهود والضحايا، مثلما فعلت (لجان الحقيقة والمصالحة) في جنوب إفريقيا، أو برامج التحوّل المجتمعي التي موّلتها الأمم المتحدة في سيراليون.
قد يظنّ البعض أن البنادق حين تسكت سيعود السودان إلى سابق عهده، لكن الحقيقة أن رصاصة قد تقتل إنسانًا، بينما الكراهية الجماعية تحصد أجيالًا كاملة, ربما لم نختر قبائلنا، لكننا نختار كيف نحكي حكايتها: جسرًا نعبر به معًا، أم حفرةً ندفن فيها آخر ما تبقى من الوطن.

ما تبنيه الكلمة تهدمه رصاصة، وما تزرعه الكراهية يحصد أجيالًا من الفقد.