
العائدون من صفوف الدعم السريع… كيف ينظر الرأي العام السوداني إلى هؤلاء؟
عمرو خان
*في الوقت الذي تواصل فيه القوات المسلحة السودانية تحقيق انتصارات ميدانية متتالية في الحرب ضد مليشيا الدعم السريع، يبرز ملف العائدين من صفوف المليشيا كأحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب. *هؤلاء الذين كانوا جزءًا من آلة القتل والتدمير، وها هم اليوم يعودون، إما نتيجة للضغوط العسكرية، أو محاولات لتجنب الهلاك تحت أقدام الجيش السوداني, ومع تصاعد التحرير الواسع للأراضي التي سيطرت عليها المليشيا منذ بدء تمردها، يظل السؤال الأهم: كيف يتعامل المجتمع السوداني مع هؤلاء العائدين، وما هي آليات العدالة والمصالحة التي يجب أن تطبق؟
العدالة أم المصالحة؟.
*لا يمكن النظر إلى ملف العائدين من صفوف الدعم السريع بمعزل عن السياق الذي يتشكل فيه, الحرب التي تشهدها البلاد تشهد فصولها الأخيرة بانتصارات مستمرة للقوات المسلحة السودانية، إلا أن هذا التقدم العسكري يحمل في طياته مسؤولية ثقيلة على عاتق الدولة والمجتمع. من جهة، تبرز قضية العدالة ومحاسبة كل من ارتكب جريمة أو ساهم في الانتهاكات ضد الإنسانية، ومن جهة أخرى، هناك ضرورة للمصالحة الوطنية التي تضمن تجنب التشظي الاجتماعي وتحقيق السلام المستدام.
*ورغم أن بعض الأصوات تدعو إلى (التسامح) و(المصالحة) مع العائدين، إلا أن الأضرار التي خلفها دعم المليشيا لا يمكن تجاهلها, العائدون من صفوف الدعم السريع لم يكونوا مجرد أفراد وقعوا ضحية الظروف أو الإكراه، بل كانوا جزءًا من قوة ارتكبت انتهاكات جسيمة ضد الشعب السوداني, وقد تزامنت هذه الانتهاكات مع محاولات المليشيا للهيمنة على السلطة في البلاد، مما أودى بحياة العديد من الأبرياء ودمر الكثير من المنشآت الحيوية. ولذلك، فإن العودة إلى صفوف الحياة الطبيعية لا تعني ببساطة مسألة (الإنقاذ) للأرواح، بل هي فرصة لطرح أسئلة العدالة الحاسمة. كيف يمكن ضمان ألا يفلت هؤلاء من العقاب؟ هل يمكن أن نسمح لهم بالعودة إلى المجتمع دون محاسبة حقيقية؟.
*ضرورة منع الإفلات من العقاب:
في هذا التوقيت الدقيق، حيث يشهد السودان حربًا مريرة من أجل استعادة الأمن والسيادة، لابد من التأكيد على أن الإفلات من العقاب ليس خيارًا. العودة إلى صفوف الحياة الطبيعية يجب أن تكون مشروطة بعدة إجراءات قانونية واجتماعية لضمان تحقيق العدالة وعدم إغفال جراح الشعب السوداني. فإذا تم السماح لهؤلاء العائدين بالعودة إلى مجتمعاتهم دون محاكمة أو مساءلة، فإن ذلك لن يساهم إلا في تعميق الهوة بين الشعب ومؤسسات الدولة، ولن يسهم في بناء الثقة المطلوبة لبناء المستقبل.
*من هنا، يجب أن يكون هناك نظام محاكمات عادلة، أو على الأقل آلية قانونية تضمن محاسبة كل من شارك في جرائم الحرب والانتهاكات الإنسانية، مع وضع برامج إعادة تأهيل تضمن أن هؤلاء العائدين لا يعودون إلى المجتمعات بذاكرتهم المثقلة بالدماء. وهذه المسألة لا تتعلق فقط بالأفراد العائدين، بل تشمل المجتمع ككل الذي يحتاج إلى شعور بأن العدالة ستتحقق وأن التضحيات التي قدمها المدنيون لم تذهب سدى.
المصالحة لا تعني السكوت على الجريمة: عندما نتحدث عن المصالحة، فإننا لا نتحدث عن (التغاضي) أو (لتسامح) مع من ارتكبوا الفظائع، بل عن (الشفاء) الجماعي الذي يتطلب أن تكون العدالة جزءًا من العملية, المصالحة ليست سوى خطوة نحو المستقبل، ولكن هذا المستقبل لا يمكن أن يتحقق إذا لم يتم إرساء أسس العدالة على الأرض. يجب أن يتعاون المجتمع الدولي والمحلي مع الحكومة السودانية لوضع آليات واضحة للمصالحة، بما في ذلك لجان العدالة الانتقالية التي يمكن أن تساهم في تقديم الحقيقة، ثم تحمل مسؤولية ما جرى، وتجنب تكرار هذه الفظائع في المستقبل.
*العودة فرصة أم تهديد؟:ما يثير القلق هو مسألة كيف ستتعامل المجتمعات المحلية مع العائدين من صفوف الدعم السريع. هل سيكونون قادرين على تجاوز الذاكرة الجماعية لأفعالهم السابقة؟ هل سيتقبل الجيران والأسر المتضررة عودة هؤلاء الذين كانوا جزءًا من آلة القتل والتدمير؟ هذه الأسئلة تظل مفتوحة، ولكن الإجابة تعتمد على قدرة الدولة والمجتمع على خلق بيئة قانونية واجتماعية تساهم في تحقيق المصالحة دون التغاضي عن المسؤولية.
*في النهاية، العائدون من صفوف الدعم السريع يمثلون اختبارًا لمصداقية العدالة السودانية في مرحلة ما بعد الحرب. هل ستكون العدالة هي الأساس، أم أن “الفرصة” التي يطرحها هؤلاء العائدون ستتحول إلى تهديد جديد للعدالة والمصالحة في السودان؟.
*في النهاية، ليس السؤال: (هل يعودون؟)، بل: (كيف يستقبلهم الشعب؟ وبأي ثمن؟).
*كاتب صحفي مصري