آخر الأخبار

*أبوبكر الشيخ في حوار جرئ: أنا بلبوسي ..

الأمن القومي اليوم لم يعد مفهوما عسكريا ضيقا

هناك فجوة في الفهم المتبادل بين المؤسسات الأمنية وصناع الدراما

الدراما ليست للترفيه.. وهي إما أن تكون محققة للأمن أو مهددة له

قبل أيام من إنطلاق الدورة 57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب أهداني صديقي د.أبوبكر الشيخ نسخة من كتابه الأول (الدراما والأمن القومي)..

د. أبوبكر عرفته ممثلا متميزا ومخرج مسرحي جماهيري، ثم دخل الى قاعات الدرس أستاذا للتمثيل والإخراج وهو الى هذا وذاك باحث أكاديمي.. جلست إليه رغم إنشغاله بوضع اللمسات الأخيرة على مسلسله (حكايات المنطقة إكس) والذي يبدو أنه امتداد لمسلسله (أقنعة الموت) الذي عرض في رمضان الفائت.. محاورنا دارت حول العملين وموضوع الكتاب..

*جلس إليه/ خليفة حسن بلة*

* *دكتور أبوبكر، كتاب «الدراما والأمن القومي» هو أول إصداراتك وجاء في الأصل كرسالة دكتوراة… ما الذي دفعك لاختيار هذا العنوان الحساس؟*

& اصدار كتاب ( الدراما والأمن القومي ) وقبلها رسالة الدكتوراة كانت حلم يراودني منذ اجتيازي لدرجة الماجستير .. فهو محاولة لفتح نقاش ضروري حول قوة الدراما وتأثيرها العميق في تشكيل الوعي العام.. نحن نعيش في عصر أصبحت فيه الدراما أكثر تأثيرا من كثير من الخطابات السياسية المباشرة ..

فالدراما يااستاذ خليفة وانت درامي مرموق لا تنتج فقط للترفيه، بل تساهم في بناء المفاهيم، وترسيخ القيم ، وصياغة صورة الدولة ومؤسساتها في أذهان الجمهور ..

* *كيف تُعرِّف مفهوم “الأمن القومي” من زاوية درامية؟ وهل الدراما أداة حماية أم سلاح تأثير؟*

& الأمن القومي اليوم لم يعد مفهوما عسكريا ضيقا، بل يشمل البعد الثقافي والفكري والاجتماعي . ومن هنا جاء الربط بين الدراما والأمن القومي، لأن ما يعرض على الشاشة قد يعزز الانتماء والثقة، أو يثير الشكوك ويعمّق الانقسامات،

فالدراما إما أن تكون محققة للأمن أو مهددة له ..

فمن خلال رسالتي أردت أن أطرح سؤالًا مهما : كيف يمكن للفن أن يكون جزءا من منظومة القوة الناعمة للدولة، وكيف نحافظ في الوقت نفسه على حرية الإبداع والمسؤولية الوطنية كدراميين …

* *غالبا يتم التعامل مع الدراما بوصفها قوة ناعمة فقط، بالنظر لتأثيرها هل يجوز اعتبارها جزءًا من منظومة الأمن الشامل؟*

& صحيح أن الدراما تصنف تقليديا ضمن أدوات القوة الناعمة ، لكن إذا نظرنا إلى مفهوم الأمن الشامل بمضمونه الحديث ، سنجد أنه لم يعد مقتصرا على الحدود والسلاح فقط ، بل يمتد إلى الأمن الفكري والثقافي والاجتماعي .

ومن هذا المنطلق ، نعم يمكن النظر إلى الدراما بكل انماطها ( مسرح، سينما، إذاعة، تلفزيون ) كأحد المكونات غير المباشرة لمنظومة الأمن الشامل ..

* *ما الفجوة التي حاولت رسالتك العلمية سدّها بين المؤسسات الأمنية وصُنّاع الدراما؟*

& دا سؤال مهم شديد.. الفجوة التي حاولت رسالتي العلمية تسليط الضوء عليها هي فجوة الفهم المتبادل بين المؤسسات الأمنية وصناع الدراما..

في كثير من الأحيان، تنظر بعض المؤسسات الأمنية إلى الدراما بعين القلق أو التحفظ، بينما ينظر بعض صناع الدراما إلى هذه المؤسسات باعتبارها طرفا يقيد حرية الإبداع.

هذه المسافة أنتجت سوء فهم متراكما لدى الطرفين..

حاولت من خلال رسالتي السعي إلى بناء جسر معرفي بين الجانبين ، من خلال توضيح طبيعة العمل الأمني وتعقيداته لصناع الدراما، وفي المقابل إبراز أهمية الحرية الفنية ودورها في النقد البناء للمؤسسات،(مع الوضع في الاعتبار) بأن الهدف لم يكن إخضاع الفن للرؤية الأمنية، بل إيجاد مساحة توازن تقوم على الشفافية وفهم كل طرف لدور الآخر .

باختصار كده يا أستاذ خليفة حاولت أن أطرح نموذجا يقوم على الشراكة الواعية بدلا من العلاقة المتوترة، بحيث تصبح الدراما عنصر دعم للاستقرار المجتمعي دون أن تفقد استقلالها الإبداعي ..

* *هل ترى أن أهل الدراما السودانية على معرفة بتأثيرها على الوعي الجمعي والأمن المجتمعي؟*

& أعتقد أن كثيرا من الدراميين السودانيين يدركون تأثير أعمالهم على الوعي الجمعي، لكن هذا الإدراك غالبا ما يكون فنيا أو اجتماعيا أكثر منه مرتبطا بمفهوم الأمن المجتمعي بمضمونه الشامل ..

بمعنى أنهم يشعرون بمسؤوليتهم تجاه قضايا المجتمع، الهوية، القيم، الأعراف والعادات والتقاليد والسلام الاجتماعي، لكن الربط المنهجي بين الدراما والأمن الفكري أو الاستقرار المجتمعي ما زال يحتاج إلى تعميق ودراسات متخصصة والمزيد من الرسائل العلمية والندوات الفكرية ..

* *بعد تحويل رسالة أكاديمية إلى كتاب، لمن توجه هذا العمل: الباحث أم الفنان أم صانع القرار؟*

& الى الباحثين ليطوروا النقاش العلمي حول العلاقة بين الثقافة والأمن القومي، وإلى الفنان ليعي حجم التأثير الذي يمتلكه دون أن يشعر بأن هناك وصاية على إبداعه ..

وإلى صانع القرار ( وهنا أضع خطا تحت جملة صانع القرار ) ليدرك أن الاستثمار في الدراما ليس ترفا ثقافيا بل عنصرا من عناصر الاستقرار وبناء الصورة الذهنية للدولة ..

*لو أُعيدت كتابة هذا الكتاب اليوم في ظل حرب الليشيا على السودان، ما الفصل الذي كنت ستضيفه؟*

& باختصار، كنت سأضيف فصل يناقش مسؤولية الفن في زمن الحرب، وكيف يمكن أن يكون جزءا مساندا للمعركة ضد الاعداء حتى نصل مرحلة الانتصار ثم السلام ثم التعافي ..

* *في رمضان الفائت 1446_ 2025 عرض لك مسلسل «أقنعة الموت» جاء في ظرف استثنائي .. ما التحدي الأكبر في صناعة دراما وسط حرب لم تنتهِ فصولها بعد؟*

& في تجربة مسلسل أقنعة الموت كان الحرص الأكبر أن نقدم الإنسان قبل الشعارات ، وأن نظهر تعقيدات اللحظة دون تبسيط مخل أو خطاب تعبوي مباشر.. لأن الدراما في تقديري لا ينبغي أن تكون بيانا سياسيا، بل مرآة واعية تساعد المجتمع على فهم ما يجري، وربما على التماسك في وجه العاصفة.

فصناعة الدراما في ظرف استثنائي ليست مجرد تحد مهني، بل اختبار للضمير الفني ..

*كيف وازنت بين التوثيق والدراما دون الوقوع في المباشرة أو الخطاب التعبوي؟*

& والله كان هنا التحدي الحقيقي يا أستاذ.. فالموازنة بين التوثيق والدراما كانت التحدي الأهم فعلا.. كنت مدركا أن أي اقتراب مباشر من الحدث قد يحول العمل إلى خطاب تعبوي .. وأي ابتعاد كامل قد يفقده مصداقيته.. لذلك اخترت أن أتعامل مع الواقع بوصفه خلفية إنسانية لا مادة خطابية ..

وكانت معظم المشاهد من الواقع وفي مسرح المعركة.. وبالمناسبة معظم المؤثرات الصوتية في المسلسل من (صوت دانات وانفجارات ) كانت حقيقية ..

* *هل كان الهدف من العمل تسجيل موقف تاريخي أم مخاطبة وجدان الناس ؟*

& ما كان يشغلني أكثر هو مخاطبة وجدان الناس في لحظة ملتبسة ومؤلمة.. فالتاريخ تدونه الوثائق لاحقا عندما تهدأ العاصفة وتكتمل الصورة .. (ونحنا مامستعجلين) ..

* *ما الخطوط الحمراء التي التزمت بها أثناء تناول الحرب دراميًا؟

& هي المسؤولية الأخلاقية والفنية للفن في زمن الحرب.. وأهم تلك الخطوط الحمراء تجنب الاستغلال العاطفي المباشر، والابتعاد عن الخطاب التعبوي أو الدعائي..

و المسؤولية تجاه المشاهد ( خاصة وإننا نخاطب مشاهد خرج من صلب تلك الأحداث).

* *المشاهد السوداني موعود بمسلسلك الجديد (حكايات المنقة إكس).. هل هو امتداد لمسلسك السابق (أقنعة الموت)؟*

& مسلسل (حكايات المنطقة إكس) تجربة مستقلة تماما، لكنه يحمل بعض الروح والمبادئ نفسها التي اعتمدناها في (أقنعة الموت)، الصدق الإنساني و التركيز على الشخصيات، وفهم أثر الأحداث على الوعي الجمعي ..

الاختلاف الرئيسي هو أن (حكايات المنطقة إكس) يغوص أكثر في التعقيدات اليومية للمجتمع خلال أوقات الأزمات، ويركز على قصص متعددة في آن واحد بدل أن يكون محصورا في إطار حدث أو صراع محدد..

* *ماذا ترمز “المنطقة إكس”؟ وهل هي مكان جغرافي أم حالة إنسانية ونفسية؟*

& (حكايات المنطقة إكس) ترمز بالأساس إلى حالة إنسانية ونفسية أكثر من كونها مكانا جغرافيا محددا.. هي مساحة رمزية تمثل التعقيد والغموض الذي يعيشه الإنسان في أوقات الأزمات، حيث تتشابك المشاعر، القرارات، والخوف مع الأمل ..

باختصار المنطقة إكس هي المكان الذي يجتمع فيه الواقع والوجدان وتبرز فيه الدراما الحقيقة الإنسانية خلف الأحداث بعيدا عن الشعارات المباشرة أو الطرح السياسي المبسط ..

* *ما الجديد الذي سيلاحظه المشاهد مقارنة بأعمالك السابقة عن الحرب؟*

& الجديد في (حكايات المنطقة إكس) مقارنة بأعمالي السابقة يكمن في تنوع الزوايا الإنسانية والعمق النفسي للشخصيات.. في أعمالي السابقة مثل (أقنعة الموت) مثلا كان التركيز أكبر على الحدث نفسه وتأثيره المباشر، بينما في هذا العمل نسلط الضوء على التفاصيل الصغيرة اليومية، الصراعات الداخلية، والخيارات الأخلاقية المعقدة التي يعيشها الناس أثناء الحرب.

كما أن العمل يعرض قصصا متوازية ومتقاطعة بدل التركيز على خط واحد، ما يمنح المشاهد صورة أكثر شمولية لتجربة المجتمع بأكمله .. وليس فقط صراعا محددا أو شخصية واحدة.

باختصار يا أستاذ الجديد هو عمق الشخصيات، تعدد السرديات، والتركيز على البعد النفسي والوجدان الجماعي، مع الحفاظ على الصدق الإنساني والمسؤولية الفنية ..

*إلى أي مدى استثمرت في الحكايات الفردية الصغيرة لصناعة صورة أكبر للصراع؟*

& أنا اؤمن بأن الصراع الكبير يظهر أكثر تأثيرا عندما يروى من خلال حياة الأشخاص العاديين، بفرحهم وحزنهم و بخوفهم وأملهم.. كل قصة فردية كانت بمثابة عدسة مكبرة تظهر تأثير الحرب على النفس البشرية، وعلى العلاقات الاجتماعية.

من خلال هذه القصص الصغيرة، استطعت أن أصنع صورة أكبر للصراع كيف ينعكس على المجتمع ككل ، كيف تتشابك المصائر ، وكيف تتشكل الانقسامات أو التماسك الاجتماعي.. الحكايات الفردية هي ما تمنح المشاهد إحساسا بالواقع، وتحول الأحداث المجردة إلى تجربة إنسانية ملموسة، تجعل الحرب مفهومة من الداخل، وليس مجرد أخبار أو تقارير.

باختصار، كل شخصية صغيرة كانت بمثابة بوصلة لرؤية الصراع بشكل أوسع وأكثر إنسانية ..

* *هل يمكن القول إن هذا العمل أقرب لفلسفة كتابك «الدراما والأمن القومي» على مستوى التطبيق العملي؟*

&. نعم ، يمكن القول إن كل اعمالي ابتداء من حكايات سودانية ومرورا بعائلة مؤسسة وصولا لحكايات المنطقة إكس تعد أقرب ما يكون إلى تطبيق عملي لفلسفة كتابي الدراما والأمن القومي.. لأنني في الكتاب تحدثت عن كيف يمكن للدراما أن تؤثر على الوعي الجمعي ، وتساهم في تعزيز التماسك الاجتماعي أو تشكيل الصورة الذهنية للأحداث الكبرى، دون أن تتحول إلى خطاب مباشر أو أداة سياسية.

*هل تؤمن بأن الدراما يمكن أن تكون خط دفاع أول عن الوعي الوطني؟*

& نعم .. أؤمن بأن الدراما يمكن أن تكون خط دفاع أول عن الوعي الوطني، لكن ليس بالمعنى العسكري أو السياسي المباشر بل بالمعنى الفكري والثقافي .

الدراما تصنع سردا يلامس وجدان الناس، وتعرض الواقع بعمق إنساني، فتساعد على ترسيخ القيم المشتركة، تعزيز الانتماء، وفهم التحديات التي تواجه المجتمع.

عندما يعي الإنسان ما يجري حوله ويشعر بأنه جزء من القصة الأكبر، يصبح أكثر قدرة على مواجهة. الخطاب المغلوط والانقسامات ، وبالتالي تصبح الدراما أداة غير مباشرة لكنها فعالة في حماية وعي المجتمع.

باختصار الدراما لا تحل محل المؤسسات أو السياسة، لكنها تلعب دورا وقائيا مهما في تشكيل وعي متماسك وواعي ..

* *ما رسالتك لصُنّاع الدراما السودانيين في هذه الفترة الأخطر في تاريخ البلاد؟*

& رسالتي للدراميين السودانيين كونوا صادقين مع وجدانكم قبل كل شيء، واحملوا مسؤوليتكم تجاه المجتمع الذي تروون قصصه

أنتم لا توثقون مجرد أحداث، بل تصنعون ذاكرة جماعية، وتؤثرون في وعي الناس ..

* *هل نحن بحاجة لدراما ما بعد الحرب، أم دراما تمنع تكرار الحرب؟*

& نحن بحاجة إلى النوعين من الدراما، لأن لكل منهما دور مهم:

١. دراما ما بعد الحرب :.

تسجل الواقع الذي مر به الناس ، تعالج الجراح النفسية، وتساعد المجتمع على فهم ما حدث ، والتعافي من الصدمة.. إنها ضرورية لإعادة بناء الهوية الجماعية وإعادة الثقة بين المكونات المختلفة.

٢. دراما تمنع تكرار الحرب:

تزرع الوعي بالقيم المشتركة، تبرز العواقب الإنسانية للصراع، وتعكس مخاطر الانقسامات والكراهية قبل أن تتفاقم . هذه الدراما تعمل كخط دفاع فكري وثقافي، تمنع التحريض وتساهم في التماسك الاجتماعي ..

* *وماذا تقول لمن قد يفهم أن تصويرك للحرب من زاوية التوثيق إنما هو دعم منكم لاستمرارها وانتماء لفريق شعار (بل بس)..*

& تصوير الحرب من زاوية التوثيق ليس دعما لاستمرارها.. هدفنا الإنساني والفني بحت.. توثيق تأثير الحرب والانتهاكات على الناس، على المجتمع، وعلى النفس الإنسانية، ليس للترويج لشعار معين..

عندما نعرض المعاناة، الخوف، والخسارة، فنحن لا ندعوا للحرب من أجل الحرب بل نضيء الحقيقة التي يعيشها الإنسان العادي، ونترك للمشاهد أن يفهم الواقع بعقله وقلبه في حرب فرضت على كل الشعب السوداني .

الدراما المسؤولة هي مرآة للواقع ..

باختصار، العمل يهدف إلى وعي المجتمع وفهم الأحداث والتبصير بمافعلته الحرب التي فرضت على الشعب السوداني من مليشيا متمردة وانتهاكاتها ..

* *بصراحة.. هل أنت من البلابسة؟*

& أنا أحد أفراد هذا الشعب.. ومسؤوليتي التاريخية هي الدفاع عنه بما أستطيع ..

أما حكاية بلابسة.. فانا بلبوس حتى زوال آخر متمرد من بلادنا ويعم السلام …