آخر الأخبار

القضاء الدولي في اختبار السيادة

 

لمياء موسى

*ما تزال السيادة الوطنية تعلو على القانون الدولي، لا بوصفها مبدأً قانونيًا فحسب، بل كحقيقة فلسفية تحكم العالم فالدول، مهما أعلنت التزامها بالقانون، تظل هي الخصم والحَكَم معًا. ولن يولد العدل الكوني ما لم تُنتزع السيادة من قدسيتها المطلقة، وتُستبدل بسلطة أعلى، عقلانية وملزمة، يخضع لها الجميع دون تفاضل في القوة أو النفوذ. وحتى ذلك الحين، ستبقى السيادة الجدار الذي يتكسرعليه القانون، وتظل العدالة فكرة مؤجلة في ضمير الإنسانية.

*منذ أبريل 2023، يشهد السودان حربًا طاحنة اندلعت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حربٌ سرعان ما تحولت إلى مأساة إنسانية كبرى، أودت بحياة عشرات الآلاف وشرّدت الملايين، فيما تواجه مساحات واسعة من البلاد مجاعة مدمّرة وانهيارًا شاملًا في مقومات الحياة.

*في خضم هذه الكارثة، اتجهت الحكومة السودانية، إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، رافعةً دعوى ضد دولة الإمارات العربية المتحدة، متهمةً إياها بخرق اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، التي انضمت إليها الإمارات عام 2005

*تستند الدعوى إلى اتهام الإمارات بتقديم دعم عسكري ومالي ولوجستي لقوات الدعم السريع، وهو دعم – بحسب الحكومة السودانية – أسهم في إطالة أمد الحرب وتصعيد حدّتها، عبر تزويد هذه القوات بالأسلحة وتسهيل تجنيد المرتزقة، بما مكّنها من شن هجمات ممنهجة في إقليم دارفور، ولا سيما غربه، استهدفت مجتمعات غير عربية.. وتشمل هذه الانتهاكات، وفق الادعاء، القتل الجماعي، والتهجير القسري، والاغتصاب، ونهب الممتلكات، وتدمير البنية العامة، في نمط يعكس جرائم واسعة النطاق ضد المدنيين.

*ولا تتهم الخرطوم الإمارات بارتكاب هذه الجرائم بصورة مباشرة، بل بالتواطؤ فيها عبر الدعم، مطالبةً المحكمة بإصدار أوامر مؤقتة تُلزم بوقف هذا الدعم ومنع استمرار الجرائم، على أساس الاشتباه في توافر أركان الإبادة الجماعية أو التواطؤ في ارتكابها.

*وتضع هذه القضية، بغضّ النظر عن مآلاتها القانونية، إشكالية جوهرية أمام النظام الدولي: إلى أي مدى يمكن مساءلة الدول عن أفعالها غير المباشرة؟ وأين يقف القانون الدولي حين تتقاطع السيادة مع دماء المدنيين؟

في المقابل، نفت دولة الإمارات العربية المتحدة هذه الاتهامات جملةً وتفصيلًا، ووصفت الدعوى المقدَّمة ضدها بأنها (مسرحية سياسية ساخرة)، معتبرةً إياها محاولة من الحكومة السودانية لصرف الأنظار عن جذور الحرب الكارثية الداخلية ومسؤوليات أطرافها المباشرة.. وأكدت أبو ظبي أنها لم تقدّم دعمًا عسكريًا لأي من أطراف النزاع، مشددةً على أن دورها اقتصر على المساعدات الإنسانية والإغاثية، في إطار التزامها المعلن بدعم الاستقرار وحماية المدنيين.

*انتهت محكمة العدل الدولية إلى رفض النظر في الدعوى، معلِّلةً قرارها بعدم توافر الاختصاص القضائي، استنادًا إلى التحفّظ الذي أبدته دولة الإمارات عند انضمامها إلى الاتفاقية، بحقها السيادي في عدم إخضاع النزاعات الناشئة عن تفسير أو تطبيق أو تنفيذ الاتفاقية – بما في ذلك تلك المتصلة بمسؤولية دولة عن إبادة جماعية – لاختصاص المحكمة، إلا بموافقتها المسبقة، وذلك وفقًا للمادة التاسعة من الاتفاقية.

*وبناءً على هذا التحفّظ، خلصت المحكمة إلى عدم اختصاصها في الدعوى، دون أن تتناول جوهر الاتهامات أو تفحص الأدلة المقدَّمة، ليكون الرفض إجرائيًا صرفًا لا حكمًا في موضوع الادعاء وهكذا، لم تُسدل الستارة على حقيقة ما جرى في دارفور، بل على حدود القانون الدولي ذاته، حين تصطدم العدالة بالسيادة.

*فيما أعلنت وزارة الخارجية السودانية احترامها لقرار محكمة العدل الدولية، مؤكدةً أن الشطب الإجرائي لا يمكن – منطقًا ولا قانونًا – أن يُفسَّر تبرئةً موضوعية أو نفيًا للانتهاكات المنسوبة إلى دولة الإمارات، إذ إن المحكمة لم تمضِ إلى فحص الأدلة المقدَّمة من الفريق القانوني السوداني أصلًا.. وأوضحت أن ما عُرض من بيانات وتقارير أمام المحكمة أسهم في كشف أبعاد الصراع وتعرية أدوار خارجية في الحرب، معتبرةً أن استمرار تدفق السلاح المتطور إلى المليشيات من أبرز العوامل التي أطالت أمد النزاع وفاقمت جرائم الإبادة والانتهاكات واسعة النطاق في أجزاء من البلاد.. كما رحّبت بتنامي وعي المجتمع الدولي بحجم التداعيات القانونية والإنسانية للدعم الخارجي في سياق الحرب بالوكالة، وبما يفرضه ذلك من التزامات على الدول بموجب القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان ومبدأ عدم التدخل.

*وفي قراءةٍ صريحة للمسار القضائي، فإن الوزارة من المفترض أنها على بيّنةٍ من مقتضيات اتفاقية منع الإبادة الجماعية، ولا سيما المادة التاسعة المتعلقة بالاختصاص، وأن خطوة اللجوء إلى محكمة العدل الدولية حملت بُعدًا سياسيًا مقصودًا لتدويل الاتهام وفتح نقاش دولي واسع حول مسؤولية الدول الداعمة للنزاعات بالوكالة.. غير أن السؤال يظل قائمًا: لماذا لم يُسلك المسار الموازي عبر مجلس الأمن الدولي لإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، لا سيما وأن ثمة لجنة خبراء وتقارير متواترة، تدعم الرؤية السودانية، وأن المدعي العام للمحكمة الجنائية أشار مرارًا إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بوقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، فضلًا عن أن الملف السوداني مفتوح أمام المحكمة منذ 2005؟

لقد قدّم السودان بالفعل في أبريل 2024 شكوى رسمية إلى مجلس الأمن، متهمًا الإمارات بالعدوان والتدخل ودعم الميليشيات.. ومن ثمّ، فإن اللجوء إلى مجلس الأمن كان – من منظور إجرائي – مسارًا قد يبدو أكثر حسمًا، لقدرته على الإحالة لمحكمة الجنايات واتخاذ تدابير ملزمة متى توافر التوافق السياسي.. لكنه يظل رهين موازين القوى داخل المجلس، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية مع الحسابات الجيوسياسية.. وفي المقابل، تبدو فرصه الحصول على العداله ستكون نسبتها أعلى إذا عرضت القضية على محكمه الجنايات الدولية حيث مجال اختصاصها القضائي.. وهكذا يتبدّى أن الخيارات القضائية لم تكن مجرد مفاضلة بين محكمتين، بل كانت تعبيرًا عن معركة متعددة المستويات: قانونية في ظاهرها، سياسية في عمقها، ودبلوماسية في أثرها، حيث تتداخل العدالة مع ميزان القوى، ويغدو تدويل الاتهام – من وجهه النظر السودانية – خطوة لا تقل أهمية عن الحكم ذاته، بقدر ما هو مسعىً لإرساء المسؤولية.

*إن إثبات الحق وإحقاق العدالة لا يتحققان بالانفعال ولا بالشعارات، بل بوضوح الرؤية وصلابة الهدف، وبأن تعلو مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة.. فحين تتحدد الغاية وتتجلى البوصلة، ينكشف الطريق وتنتظم الخطى، ونعرف كيف نسير في عالمٍ لا يزال القانون الدولي فيه يترنح بين المثال والواقع، وتبقى فيه سيادة الدول – في كثير من الأحيان – سيفًا يعلو على نصوص العدالة وروحها.

*وفي مثل هذا المناخ الملتبس، لا يكفي صدق القضية وحده، بل تحتاج إلى عقلٍ قانوني يضبط خطابها، وإلى فريقٍ مهني يحملها على أكتاف المعرفة والخبرة، فيحسن عرضها، ويصوغ حججها، ويخاطب بها الضمير الدولي بلغة القانون لا بلغة العاطفة.. فالقضايا العادلة لا تنتصر بذاتها، وإنما تنتصر حين تجد من يحسن تمثيلها، ويحول معاناتها إلى ملفٍ موثق، وحججٍ راسخة، ومسارٍ إجرائيٍ مدروس، حتى تبلغ العالم بوضوح، وتضعه أمام مسؤوليته الأخلاقية والقانونية.

*كاتبة مصرية مقيمة في لندن