
ولاية نهر النيل.. حالة ود الفكيزم
على عسكوري
*ليس بعيدا من قريتنا (كبنة) التي غرق أطفالها العام ٢٠١٨م في حادثة مأساوية هزت ضميرالسودانيين والعالم، تقع قرية (عصمة)
تقوم قرية عصمة على سفح جبل مشهور يحمل اسمها يمتد حوالي ٣٥٠ متر على الجانب الايمن للوادي الذي ينحدر شمال الجبل. ينتهي امتداد الجبل مثل الوادي عند ضفة النيل.
*اسفل الجبل وفوق وداخل مجري الوادى تقع ساقية مشهورة يمتكلها الراحل ود الفكي وتعرف باسمه.
في فترة الفيضان تصعد مياه النيل في الوداي حاملة معها الطمىء ليترسب داخل الوادي مغذيا ساقية ود الفكي بتربة خصبة جدا لزراعتها في فصل الصيف بعد انحسار مياه الفيضان من الوادي شهري سبتمبر واكتوبر.
*بالفعل، كان ود الفكي يقوم باستغلال تربة ساقيته الخصبة في مجرى الوادي لزراعتها في فصل الصيف بالذرة. ولسبب ما او لعدم الحيطة كان الرجل يتأخر في زراعة الذرة.. فبدلا من زراعته نهاية أبريل أو مطلع مايو ليحصده نهاية يوليو أو مطلع أغسطس لتجنب الخريف وسيوله، يتأخر في الزراعة لمنتصف مايو أو أكثر من ذلك.. ومن المعلوم ان الذرة يحتاج الى فترة ثلاثة اشهر لحصاده.. ولذلك زراعتة منتصف مايو تعني دخول وقت حصاده فترة الخريف في أغسطس وما يصحبها من السيول التي تجلبها الوديان الكبيرة كوادي عصمة من فيافي صحراء بيوضة حاملة لها كسيول جارفة الى نهر النيل.
*نتيجة للتأخير في الزراعة وعدم الاتعاظ من الاخطأ السابقة، كان ود الفكي يجلس كل عام حزينا مكسور الخاطر ينظر للسيل يجرف زراعته من الذرة الى نهر النيل ليذهب مجهوده سدى يقول لنفسه ولمن حوله: معليش… لكن ود الفكي من دى عرف أي انه سيزرع مبكرا العام القادم ويحصد قبل الخريف ليتجنب السيل. *إلا أن الرجل وبذات السبهللية وعدم الاتعاظ من الاخطأ يتأخر في الزراعة مرة اخرى، فيأتي السيل ويجرف محصوله ليجلس مرة اخرى كسير الخاطر مكررا نفس العبارة: معليش.. لكن ود الفكي من دي عرف وهكذا دواليك في كل عام.
*تذكرت هذه القصة عند سماعي لخبر الفاجعة التي حلت بأهلنا في قريتي (ديم القراي وطيبة الخواض) وغرق المركب في مأساة حزينة نتيجة الاهمال الممتد والسبهللية والاستهتار وعدم الاكتراث بحياة المواطنين.
*لقد أكدت لي هذه الفاجعة حالة (ود الفكيزم) التي تعيش فيها ولاية نهر النيل بل ربما الدولة منذ استقلالها.
*كنت قد اعتقدت مخطئا انه بعد مأساة أطفال المناصير، سيكون موت الناس غرقا، أمرا صعب الحدوث لأن حكومة الولاية ستتخذ من الاجراءات وضوابط السلامة للمراكب التي يستغلها المواطنون لعبورالنيل كل الاحتياطات الضرورية حتى لا تتكرر، وستقوم الولاية بالفحص الدوري للمراكب والتأكد من اجراءات السلامة المطلوبة فيها.
*للأسف، اثبتت هذه المأساة خطل توقعي، وثبت أن الولاية لم تستق أي عبر ودروس من مأساة غرق الاطفال، واستمر الحال على ما هو عليه حتى وقعت الفاجعة الأخيرة.. وبالطبع لاشك عندي أن فواجع اخرى ستقع وستتكرر ببساطة لأن لا أحد يهتم بانفاذ ضوابط السلامة الضرورية في المراكب التي تنقل المواطنين.. فحالة (ود الفكيزم) حالة سودانية خالصة تصيب الأفراد والحكومات بنفس القدر.
*مثلا، أنظر لقضية فيضان نهر القاش، فنحن منذ أن وعينا نسمع بأن فيضان القاش أغرق أجزاء واسعة من كسلا، وهي مأساة تتكرر كل عام لتقدم لنا نموذجا رائعا لحالة ود الفيكزم.
*عند غرق أطفال المناصير لم يحاسب أي شخص، كما لم يستقيل معتمد المحلية ولا والي الولاية ولم تتم اقالتهم، فالحال من بعضه.
*الآن بعد هذه الفاجعة سيحدث نفس الشىء، لن يستقيل المعتمد ولا الوالي ولن تتم محاسبتهم وستمضي الأمور كما هي.. الثابت أن مسؤولي الولاية يعتقدون مخطئين أن مثل هذه الفواجع ليست من مسؤولياتهم رغم إنها من صميمها.
*رحم الله الفاروق ورضي عنه فقد تواتر عنه قوله:(لو تعثرت بغلة في العراق لسئل عنها عمر: لم لم تمهد لها الطريق يا عمر؟) تلك هي حدود المسؤولية في الإسلام كما علمها الفاروق، وللقارىء أن يتذكر إننا نعيش في كنف دولة إسلامية تقتفي منهج الراشدين، أو هكذا يقال لنا.
*يخاف الفاروق أن يسأل عن بغلة تعثرت، أما مسؤولو ولايتنا فيغرق الناس تحت بصرهم ولا يكترثون
ترى لماذا يكون البوذين واللادينيين أفضل منا في مسؤلياتهم كما حدث في جمهورية كوريا الجنوبية..
عند كارثة الباخرة الكورية الجنوبية MV Sewol
في عام ٢٠١٤، وغرق اكثر من ٣٠٠ شخص أغلبهم من طلاب المدارس الثانوية، استقال رئيس الوزراء بعد ١١ يوما نتيجة لضعف أداء الحكومة في عمليات الانقاذ، ورغم أن الرئيسة رفضت استقالته إلا انه استقال لاحقا بعد عدة شهور.. تم ايضا مباشرة اقالة قائد حرس السواحل وعدد من مسؤولي السلامة في إدارته
كما تم اعتقال مدير الشركة مالكة الباخرة وطاقم السفينة وتقديمهم للمحاكمة.
*لقد أدت تلك المأساة إلى كثير من الاجراءات طالت مسؤولين ومؤسسات حتى لا تتكرر.
*تستقي كل الشعوب العبر من النكبات والكوارث وتنهض لمعالجتها والتأكيد على عدم تكرراها ومعالجة الأسباب التي أدت لها، أما في بلادنا فلا أحد مستعد لاستقاء الدروس والعبر، لا يشعر مسؤولو الولاية بأدنى مسؤولية تجاه مواطنيهم الذين يغرقون (سمبلة)، وينصرفون لحالهم وكأن شيئا لم يحدث ينامون ملء جفونهم.
*يحدث كل هذا الاهمال والسبهللية مع أن ولاية نهر النيل هي أكبر منتج للذهب لكنها عاجزة عن شراء عبارات حديثة لمواطنيها لضمان سلامتهم، دعك من بناء كباري.. اكثر من ذلك، فحكومة الولاية عاجزة حتى عن نظافة مدنها الرئيسية.
*أي زائر إلى عطبرة – مثلا- ستصدمة كمية النفايات والفضلات التىي تسد طرقات المدينة.
*ترى أين تذهب العوائد من موارد الولاية.. لاشك أن ما يحدث في الولاية يحتاج لوقفة من مواطنيها لتصحيح الاوضاع، فالولاية رغم ثرائها تفتقر إلى أبسط الخدمات وتضرب الفوضى كل مناحي الحياة فيها، هذا إن صرفنا النظر عن المظهر العام الصادم للحياة فيها.
*ختاما، لقد ظلمنا عمنا ود الفكي رحمه الله، فقد ثبت أن حالته حالة سودانية عامة تثبتها الأحداث كل يوم (وما فيش حد أحسن من حد) ! ويقيني أن لسان حكومة الولاية على طريقة ود الفكي يقول إنها : من دي عرفت وفي انتظار الكارثة القادمة.
هذه الأرض لنا