بين تأكيدات جابر ونفي مجلس الوزراء..عقود العقارات أزمة تبحث عن الحقيقة
تقرير- الطيب عباس:
أثارت عقود إيجار المؤسسات الحكومية أزمة بين لجنة تهيئة بيئة العودة للخرطوم برئاسة عضو مجلس السيادة، الفريق إبراهيم جابر ومجلس الوزراء، وذلك بسبب توقيع العقود بالدولار، وفق تصريحات جابر في مؤتمر صحفي بالخرطوم الخميس الماضي.
لكن مجلس الوزراء سارع بالنفي، مؤكدا أن العقودات جرى توقيعها بعلم وزارة المالية وبالعملة الوطنية، فيما تقول مصادر أخرى أن العقد بالدولار على أن يدفع مقابله بالعملة المحلية، فأين الحقيقة.
بداية الأزمة:
بدأت الأزمة عندما أبدى عضو مجلس السيادة الانتقالي إبراهيم جابر، استنكاره الشديد لقيام بعض الوزارات الحكومية باستئجار عقارات ومقار لها بالدولار الأمريكي، واصفاً الإجراء بالصادم وغير المقبول تحت أي ظرف.
خطوة قانونية:

قال إبراهيم جابر، إنه وجه فورا بإحالة الملف برمته إلى المراجع العام لفتح تحقيق رسمي وفوري، مع إصدار قرارات حاسمة بإلغاء كافة العقود المبرمة بالعملة الأجنبية واستعادة المبالغ المدفوعة لخزينة الدولة.
التحريات الأولية بحسب جابر، أظهرت صدور خطاب من أحد كبار المسؤولين بمجلس الوزراء (شرعن) هذا التصرف غير المهني، مؤكداً أن المسؤول المعني سيخضع للمحاسبة الإدارية والقانونية.
وشدد جابر على عدم وجود أي مبرر للجوء للاستئجار بالعملة الصعبة، في ظل توفر مقار حكومية وعسكرية وطبية يمكن استغلالها.
وأكد أن التعامل بالدولار في هذه الحالات (ممنوع منعاً باتاً) ولا مجال فيه للمراوغة، لافتاً إلى أن السلطات وضعت يدها على الملف بالكامل لضمان حماية موارد الدولة.
نفي قاطع:
بدورها نفت حكومة الأمل، برئاسة كامل إدريس، بشكل قاطع استئجار أي مقار وزارية بالدولار الأمريكي في ولاية الخرطوم.. وقال مسؤول رفيع في الحكومة لصحيفة (السوداني) إن وزارة المالية سددت جميع عقود الإيجار بالجنيه السوداني فقط، مؤكداً أن الحكومة لم تدفع أي مبالغ دولارية مقابل إيجار مواقع حكومية.
وأوضح أن الحكومة استأجرت أربع وزارات من أصل 22 وزارة، حيث وقعت عقدين بينما يخضع عقدان آخران للإجراءات القانونية.. وتشمل الوزارات: الزراعة والري في أركويت مربع 53، والثروة الحيوانية في أركويت مربع 53، والخارجية والتعاون الدولي في الرياض مربع 21، والنقل والبنية التحتية في أم درمان – كرري – شارع الوادي خلف أبو الفاضل.
وأكد المسؤول أن الجهات المختصة أبرمت العقود وفق لوائح الشراء والتعاقد الحكومي، وأن الإيجارات تخص مقار وزارية بصورة مؤقتة إلى حين اكتمال صيانة المباني الحكومية الرسمية.
وأشار إلى أن 18 وزارة تعمل حالياً من مقار أعدتها لجنة تهيئة البيئة بولاية الخرطوم، ضمن خطة إعادة الانتظام الإداري بعد تداعيات الحرب.
وكشف أن مجلس الوزراء رفض استئجار سكن للوزراء والوكلاء ومديري الوحدات رغم استحقاقهم الدستوري، لتجنب تكلفة شهرية كانت ستبلغ نحو 250 مليار جنيه، واعتمد بدلاً من ذلك مساهمات محددة في صيانة منازلهم لتقليل الأعباء المالية
وبحسب الصحيفة، فإن عقد إيجار وزارة الزراعة والري بقيمة 32,040,000 جنيه شهرياً، فيما بلغ إيجار وزارة الخارجية 42,720,000 جنيه شهرياً.
ودعا المسؤول إلى تجنب التصعيد بين أجهزة الدولة المختلفة، والتركيز على معالجة نقاط الخلاف بروح مؤسسية، مؤكداً التزام الحكومة بالشفافية وخضوع أدائها للتقييم العام.
مؤشر غير جيد:
التباين بين تأكيدات الفريق إبراهيم جابر ونفي مجلس الوزراء، يعتبره مراقبون مؤشرا غير جيدا، حيث أن مثل هذه القضايا يتم حسمها عبر المراجع العام وليس تحويلها لموقف سياسي وتصفية حسابات.
صراع خفي:
جاءت قصة العقود بعد انتقادات واسعة لعقد بنحو 11 مليون دولار لصيانة جسر الحلفايا، وهو مبلغ اعتبره مراقبون للأوضاع مبالغا فيه، وتم صياغة الخبر بحيث يتم تحميل المسؤولية للجنة تهيئة العودة، لكن رئيس اللجنة الفريق إبراهيم جابر، أكد في المؤتمر الصحفي، أن لجنته لا تضم ضمن لجانها الفرعية لجنة مالية، مؤكدا أن المسائل المالية من اختصاص وزارة المالية وأن لجنته لا علاقة لها بالعقد الموقع ولا بتفاصيل الاتفاق مع الشركة المنفذة للصيانة، ودعا جابر وزارتي النقل والمالية لتوضيح الحقائق بشأن عقد صيانة جسر الحلفايا.
ولا يستبعد مراقبون أن تكون إثارة موضوع عقد جسر الحلفايا تم تداوله لتوجيه الانتقاد للجنة جابر، التي وضعت بصمات ملموسة في تهيئة البيئة بولاية الخرطوم، ويربط مراقبون بين هذه التطورات وخطاب وزيرة مجلس الوزراء بمنع الوزراء من المشاركة في عضوية أي لجان باستثناء اللجان التي يرأسها رئيس مجلس السيادة، فيما اعتبر أن القرار مقصود به لجنة إبراهيم جابر.
تزامن ذلك تصدر أخبار عن حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة عودة المواطنين لولاية الخرطوم، لكن خرج رئيس اللجنة الفريق إبراهيم جابر ونفى حلها، معلنا تعليق نشاط اللجنة لانسحاب الوزراء من عضويتها، وهو ما فسره مراقبون على نطاق واسع بأنه صراع خفي بين اللجنة والجهاز التنفيذي لحكومة الأمل، وهو نفسه ما يقف خلف تفجر أزمة العقود.
إنصاف لجنة جابر:
أمس السبت، أعلنت وزارة البنى التحتية والنقل في مؤتمر صحفي بمدينة بورتسودان، أن اللجنة الوزارية المكلفة بصيانة جسري شمبات والحلفايا لا تتبع للجنة الفريق إبراهيم جابر، وإنما تتبع للوزارة.
وكشف وكيل وزارة البنى التحتية والنقل، المهندس مجدي عبد اللطيف، خلال المؤتمر الصحفي، تفاصيل جديدة بشأن اللجنة وخطة تأهيل الجسور، مشيرا إلى أن اللجنة الفنية تم تشكيلها في فبراير 2025، وباشرت مهامها بعقد اجتماعات ميدانية وفنية لضبط أسس التأهيل.
وأوضح أنهم تواصلوا مع الشركة التركية المصممة لجسر الحلفايا، إلا أن عرضها المالي كان مرتفعاً (1.9 مليون دولار للفحص فقط).. كما تمت تفاهمات مع الجانب المصري (الهيئة العامة للطرق والكباري) عبر مكتب (محرم باخوم) لتولي أعمال الفحص، إلا أن الإجراءات تجمدت لاحقاً بعد زيارة أولية للفريق المصري في أغسطس 2025
وأضاف وكيل وزارة البنى التحتية (تقرر إسناد العمل بعد ذلك لشركات وطنية، حيث تم ترشيح شركتي (A&A) و (IBC)للقيام بأعمال الفحص والتأهيل، مع اختيار شركة (إتقان) للاستشارات الهندسية للإشراف الفني.
ونفى الوكيل، أن يكون قيمة العقد بالدولار، مشير إلى أن التكلفة بلغت35.1 مليار جنيه سوداني، لتصل القيمة الإجمالية للمشروع مع الإضافات الفنية إلى 41.1 مليار جنيه سوداني، تتكفل بها وزارة المالية بالكامل دون أي التزامات بالعملة الصعبة.
ملف عالق:
بتصريحات وزارة النقل، فإن ملف عقد جسر الحلفايا، قد تم حسمه بتبرئة لجنة جابر والتأكيد على أن العقد بالعملة السودانية، لكن لا يزال ملف العقارات قائما بحسب مراقبين، حيث لم تصدر من لجنة جابر تصريحات جديدة عطفا على نفي مجلس الوزراء، ما يعني أن اللجنة لا تزال متمسكة بموقفها المسنود بتقرير المراجع العام، بينما نفي مجلس الوزراء استند على مصادر حكومية، دون ظهور شخصية علنية تنفي العقود الدولارية.
ويرى مراقبون أن الجهاز التنفيذي للدولة بحاجة لايضاحات أكثر حول الاتهامات الموجهة له من لجنة الفريق جابر، حيث أن خبر النفي الذي يستند على مصادر في العادة يبدو ضعيفا ولا يمثل حجة، مشيرين إلى أن حكومة الأمل مطالبة بالظهور بشكل علني للرد على هذه الاتهامات.
بعيدا وقريبا من ذلك، يبدو أن انفجار هذه الملفات في توقيت متقارب يعبر عن حالة شد وجذب داخل مكونات الحكومة السودانية، وهو أمر سيعطل دولاب الدولة من العمل، مع تأكيدات مراقبين لأهمية الحاجة لجلسة تصافي وفك التشابك في اختصاصات المؤسسات الحكومية، والعمل على انسجامها حتى لا تصبح جزرا معزولة، ذلك مع التأكيد على أهمية استمرار المسار القانوني لمعرفة الحقيقة بشأن العقود الدولارية لإيجار العقارات الحكومية، والعمل على إيقافه فورا حال تم التأكد من حقيقة الأمر.