
شراكات العبور… حين تتحول مذكرات التفاهم إلى شريان حياة للسودان
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
*تتجاوز الاحتفاليات البروتوكولية قيمتها الصورية عندما تلامس وجدان المواطن وتلبي احتياجاته اليومية الملحة.. إن توقيع وزارة البنى التحتية والنقل لأربع مذكرات تفاهم مع شركة (الوفاء للتنمية) الماليزية وشركة
Eses
الإسبانية لا يمثل مجرد حبر على ورق في سجلات التنمية السودانية، بل يشكل إعلان حازماً عن بدء مرحلة جديدة من العمل الميداني الجاد الذي ينتقل بالبلاد من أطر التخطيط النظري إلى معترك التنفيذ الفعلي.
*تتوزع هذه الاتفاقيات الاستراتيجية لتغطي قطاعات حيوية تمس صلب الأزمات الهيكلية التي يعاني منها المواطن السوداني؛ فمن حل مشكلة المياه المعقدة في مدينتي الأبيض وبور سودان، إلى تمويل أسطول السفن وتوسيع نطاق الطاقة الشمسية. ولعل النصيب الأكبر من القيمة الاستراتيجية لهذه الخطوة يكمن في إنهاء معاناة عطش أهالي ولاية البحر الأحمر وشمال كردفان؛ حيث استمرت مشكلة المياه لعقود بمثابة العقبة الكؤود أمام أي نمو اقتصادي أو استقرار مجتمعي. إن ربط البحر الأحمر بالنيل عبر خطوط الإمداد يمثل تحققاً لحلم ظل يراود مخيلة أهالي المنطقة لسنوات طويلة، فضلاً عن دعم الولاية بمشروعات الطاقة الشمسية لتجاوز عثرات الإمداد الكهربائي.
*ولضمان عدم تحول هذه المذكرات إلى مجرد وعود مؤجلة، تبرز قيمة التكامل المؤسسي الذي ظهر جلياً في حفل التوقيع بحضور بنك السودان المركزي وبنك النيلين، إلى جانب قيادات الولايات المعنية والوزارات المختصة.. إن إشراك القطاع المصرفي يوفر الغطاء المالي والضمانات اللازمة لتذليل عقبات التمويل التي كثيراً ما تسببت في إجهاض المشاريع الكبرى في المهد. كما أن تحديد سقف زمني لبدء الخطوات التنفيذية خلال شهر واحد عقب طرح العطاءات يعكس توجهاً نفعياً وعملياً يقطع الطريق أمام المماطلة والروتين الإداري.
*إن إعادة إعمار السودان وبناء بنيته التحتية يتطلبان مزيجاً بين الخبرات الدولية الموثوقة والقدرات الوطنية الشجاعة.. والتعاون مع الخبرات الماليزية والإسبانية يعيد الثقة في بيئة الاستثمار السودانية، ويؤكد قدرة الدولة على جذب الشركاء الدوليين لدعم خطط التعافي الاقتصادي. إن الرهان الحقيقي اليوم يتجاوز لحظة التوقيع ليرتكز على المتابعة الميدانية الدقيقة لضمان تنفيذ المشروعات وفق أعلى معايير الجودة، ليظل هذا التفاهم نموذجاً يحتذى به في التزام الدولة بتعهداتها التنموية تجاه شعبها.